رم - بقلم عمر الدريني
في زمنٍ تُقاس فيه المهن غالبًا بما تمنحه من دخل ومكانة واستقرار، تبدو مهنة التعليم مختلفة في جوهرها؛ لأنها لا تُقاس بعدد ساعات العمل، ولا بعدد الدروس، بل بالإنسان الذي يتغير بسببها.
ولهذا فإن التعليم، قبل أن يكون مهنة، هو رسالة.
فالوظيفة تنظمها ساعات الحضور والانصراف، أما الرسالة فتسكن الضمير، قد يؤدي الإنسان الوظيفة لأنه مطالب بها، لكنه يؤدي الرسالة لأنه يؤمن بها، وليس معنى ذلك التقليل من مهنية التعليم أو من حقوق المعلم في التقدير والإنصاف والتأهيل، وإنما يعني أن قيمة هذه المهنة أعمق من أن تختزل في راتب أو امتياز؛ لأنها تتعامل مع أثمن ما يمكن أن نملكه: مستقبل الإنسان.
وحين نتأمل رسالات الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، نجد أن بناء الإنسان كان في قلبها؛ فقد جاءت لتصحح تصور الإنسان عن نفسه والعالم، وتدعوه إلى العلم والعمل والعدل والإحسان وتحمل المسؤولية، وفي وصف رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فالتعليم هنا ليس نقلًا لمعلومات منفصلة عن الحياة، بل بناء للمعرفة والوعي والسلوك.
ومن هذه الرؤية يستلهم المعلم معنى رسالته.
فهو لا يصنع طالبًا ناجحًا في الاختبار فحسب، بل يشارك في تشكيل إنسان سيعيش في المجتمع بعد سنوات. وقد يكون أعظم ما يفعله المعلم أشياء لا تظهر في دفتر التحضير:
حين يحفظ كرامة طالب أخطأ، فإنه يعلّمه احترام الإنسان.
وحين يستمع إلى طالب لا يجد من يسمعه، فإنه يخبره بأن صوته له قيمة.
وحين يشجع خائفًا من الفشل، فإنه يزرع فيه الشجاعة.
وحين يرفض الغش، فإنه يقدم درسًا في النزاهة أكبر من أي محاضرة.
وحين يعامل طلابه بعدل، فإنه يحول العدالة من شعار إلى ممارسة.
وهكذا يصبح سلوك المعلم جزءًا من المنهج، حتى لو لم يُكتب في أي كتاب.
فالطلاب لا يتعلمون مما نقوله فقط، بل مما نفعله أمامهم. قد يتحدث المعلم عن الاحترام ثم يهدم حديثه بكلمة جارحة، أو يتحدث عن الصدق ثم يتسامح مع الغش، أو يدعو إلى الانضباط وهو لا يحترم الوقت، أما حين تتطابق أقواله مع أفعاله، فإن حياته اليومية تتحول إلى مدرسة صامتة يتعلم منها طلابه دون أن يشعروا.
ولهذا فإن إصلاح التعليم لا يبدأ من المنهج وحده، بل يبدأ من الإنسان الذي يحمل المنهج.
قد نغير الكتب، ونبني المدارس، ونجهز المختبرات، ونستخدم المنصات الرقمية، لكننا لن نصنع تعليمًا نوعيًا إذا قامت العلاقة بين المعلم والطالب على الخوف، أو تحول الصف إلى مساحة للتلقين، أو أصبح الطالب يخشى الخطأ أكثر مما يحب التعلم.
التعليم الحقيقي يجعل الطالب شريكًا في المعرفة، والمعلم الحقيقي لا يخاف من عقل الطالب، بل يفرح حين يكتشف أن الطالب أصبح قادرًا على سؤاله ومناقشته.
فغاية التعليم ليست أن يكون الطالب نسخة من معلمه، بل أن يصبح إنسانًا مستقل التفكير، قادرًا على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه، وأفضل معلم هو الذي يساعد الطالب على أن يستغني تدريجيًا عن الإجابة الجاهزة، ويكتسب القدرة على الوصول إليها بنفسه.
وفي عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبحت هذه الحقيقة أكثر وضوحًا؛ فالمعلومة متاحة للجميع، والإجابة يمكن الحصول عليها في لحظات، لكن التحدي الحقيقي هو أن يعرف الإنسان أي إجابة تستحق الثقة، وكيف يستخدم المعرفة بمسؤولية، وكيف يميز بين الحقيقة والتضليل.
وهنا تتجدد رسالة المعلم: لم يعد مجرد مصدر للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي؛ يعلم الطالب كيف يفكر، وكيف يتحقق، وكيف يختلف باحترام، وكيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يفقد إنسانيته.
وهذه ليست مهارات ترفية، بل ضرورة لحماية المجتمع؛ فالمواطن القادر على التفكير والتحليل والتحقق من المعلومات أقل عرضة للتضليل، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات والابتكار وصناعة الحلول.
ومن هنا فإن الاستثمار في المعلم ليس استثمارًا في المدرسة وحدها، بل في اقتصاد المجتمع وثقافته واستقراره ومستقبله. لكن ذلك لا يعني أن نطلب من المعلم أن يعمل بلا حدود أو أن يحمل وحده أعباء المجتمع، بل أن نوفر له ما يساعده على أداء رسالته: تدريبًا جيدًا، وبيئة عادلة، واحترامًا مهنيًا، وأدوات تعليمية، وقيادة داعمة، وفرصة حقيقية للتطوير.
فلا يمكن أن نطلب من المعلم أن يصنع إنسانًا واثقًا بنفسه، بينما يشعر هو أن مهنته لا تحظى بالتقدير، ولا أن نطالبه بالإبداع في بيئة تقتل المبادرة.
وفي النهاية، يبقى التعليم رسالة لأن أثره يتجاوز صاحبه.
قد يتقاعد المعلم، لكن طلابه يستمرون في الحياة، وقد يغادر المدرسة، لكن القيم التي غرسها تبقى في نفوس من علمهم، وربما ينسى الطالب عشرات الدروس، لكنه يحتفظ بكلمة واحدة قالها له معلم في لحظة حاسمة، فتغيّر مساره كله.
لذلك لا ينبغي أن نسأل عن التعليم فقط: كم طالبًا نجح؟
بل علينا أن نسأل:
أي نوع من البشر نصنع؟
هل نصنع إنسانًا يعرف، أم إنسانًا يفهم؟
هل نصنع طالبًا يحفظ، أم عقلًا يفكر؟
هل نصنع منافسًا يريد التفوق على الجميع، أم إنسانًا يعرف أن نجاحه يمكن أن يكون طريقًا لنجاح الآخرين؟
هذه الأسئلة تعيد التعليم إلى جوهره.
فالتعليم ليس صناعة علامات، ولا إنتاج شهادات، ولا ملء عقول بالمعلومات؛ إنه صناعة للإنسان، والإنسان أعظم مشروع يمكن أن تستثمر فيه أمة.
ولهذا ستظل مهنة التعليم، مهما تغيرت الأدوات والمناهج، رسالة قبل أن تكون مهنة.
رسالة تبدأ من معلم يؤمن أن أمامه إنسانًا يمكن أن يصبح أفضل، وتكبر في مدرسة تحترم العلم والإنسان، وتمتد إلى مجتمع يدرك أن مستقبله لا يُكتب في المكاتب وحدها، وإنما يبدأ كل صباح داخل الصفوف الدراسية.
فإذا أردنا أن نغيّر مستقبل أمة، فلنبدأ بمن يقف أمام أطفالها اليوم.