رم - النائب اية الله فريحات
في السياسة الخارجية، لا مكان للأحكام السريعة ولا للانفعالات العابرة. فالدول لا تُدار بردود الفعل، وإنما بحسابات دقيقة للمصالح، وقراءة واعية لموازين القوى، وإدراك لحجم المخاطر وحدود الإمكانات. والأردن، بحكم موقعه وتاريخه وتعقيدات الإقليم من حوله، لا يملك ترف السياسة الانفعالية ولا كلفة المغامرة.
لقد أثبتت التجربة الأردنية أن مواقف الدولة الخارجية، التي عبّر عنها جلالة الملك في المنعطفات الإقليمية والدولية الكبرى، كانت في محطات مفصلية مواقف صائبة، تقدمت فيها مصلحة الأردن وحماية أمنه واستقراره، دون التخلي عن ثوابته الوطنية والقومية.
والتاريخ هنا ليس مجرد ذاكرة، بل شاهد على صواب النهج. فقد استطاع الأردن، رغم محدودية موارده وضخامة التحديات المحيطة به، أن يعبر أزمات كبرى، ويحافظ على دولته واستقراره وقراره، دون أن يتخلى عن مبادئه أو ينجر إلى مغامرات تفوق قدرته.
وفي مقدمة هذه الثوابت، القضية الفلسطينية؛ إذ ظل الأردن ثابتًا في دعم الشعب الفلسطيني وحقه في الحرية والاستقلال، وحقه الأصيل في إقامة دولته على أرضه، وتعزيز صموده، ورفض كل محاولات اقتلاع الفلسطيني من أرضه أو تصفية قضيته على حساب الأردن أو المنطقة.
ومن هنا، فإن الاصطفاف خلف الدولة وقيادتها ومواقفها وقراراتها في السياسة الخارجية هو الخيار الذي تعززه التجربة ويؤكده التاريخ. فالقرار السيادي لا يُبنى على الانفعال، وإنما على منظومة واسعة من المعلومات والتقديرات وحسابات المصالح والمخاطر، وتتحمل الدولة مسؤولية نتائجه وتبعاته.
والاصطفاف خلف الدولة وقيادتها لا يعني إلغاء الرأي أو مصادرة النقد، وإنما يعني أن تبقى الدولة هي المرجعية في القضايا السيادية والمصيرية، وأن يكون الاختلاف مسؤولًا، لا يتحول إلى إضعاف لموقف الأردن أو تشويش على قدرته في حماية مصالحه.
لقد أثبتت التجربة أن الموقف الأردني لم يكن رهينة للصوت الأعلى، بل قام على معرفة دقيقة بحدود القوة، وحسن توظيف أدوات السياسة والدبلوماسية، والتمسك بالثوابت، والمرونة في إدارة المتغيرات.
ولهذا، فإن الثقة بالموقف الأردني ليست ثقة عاطفية؛ إنها ثقة راكمتها التجربة، وأكدتها محطات التاريخ.
وحين تواجه الدولة عاصفة إقليمية أو دولية، فإن الاصطفاف خلفها ليس ترفًا سياسيًا، بل مسؤولية وطنية؛ لأن قوة الأردن تبدأ من تماسكه، ومن وحدة موقفه، ومن الثقة بقيادته في إدارة ما لا تستطيع الدولة أن تتعامل معه بمنطق الانفعال.
قد تختلف القراءات وتتعدد الآراء، لكن في القضايا المصيرية يجب أن تبقى البوصلة واحدة: الأردن أولًا، أمنه واستقراره ومصالحه العليا وثوابته أولًا؛ والاصطفاف خلف الدولة وقيادتها هو الموقف الذي تفرضه المسؤولية الوطنية وتدعمه دروس التاريخ.
فالدول لا تعبر العواصف بكثرة الأصوات، وإنما بحكمة القرار، وصلابة الموقف، وتماسك الجبهة الداخلية.
وحين يكون الأردن أمام مفترق طرق، فإن مكان الأردني الطبيعي هو خلف دولته وقيادته