اتفاق مكة .. كيف يمكن لإيران تحويل التهديدات المحتملة إلى مكاسب استراتيجية ؟


رم -

د . مهدي مبارك عبد الله

قد يبدو للوهلة الأولى أن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل تطورا غير مريح لإيران وربما خطوة باتجاه تطويقها من الشمال والجنوب والشرق لكن القراءة الأعمق لتفاصيله تقول إن طهران قد تكون أمام فرصة استراتيجية أكبر من حجم التهديد الذي يمثله الاتفاق عليها لأن أهم ما أنتجه الاتفاق ليس تشكيل حلف عسكري جديد بقدر ما كشف عن بداية تحول في عقيدة الأمن الإقليمي وانتقال دول المنطقة تدريجيا من الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية التي ثبت فشلها إلى البحث عن ترتيبات أمنية ذاتية ومتعددة الأطراف .

المفارقة الأساسية في هذا التحالف تكمن بان إيران التي طالما دعت إلى إخراج القوى الأجنبية من أمن المنطقة تستطيع أن تنظر اليوم إلى اتفاق مكة باعتباره خطوة في الاتجاه الذي طالما طالبت به حتى لو لم تكن طرفا فيه والرياض لم تعد تريد أن يكون أمنها مرهونا بالكامل بواشنطن وأنقرة تريد توسيع مجالها الاستراتيجي وإسلام آباد تريد استعادة دورها التاريخي في العالم الإسلامي وهذه المصالح الثلاث المشتركة لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الأمريكية ولا تجعل من إيران عدوا مشتركا بصورة تلقائية ومباشرة .

 

الأمر الأهم أن الاتفاق لم يعلن إيران عدوا ولم يحدد خصما بعينه وهذه ليست مسألة شكلية بالنسبة لطهران لأن تحويل الاتفاق إلى حلف صريح ضدها كان سيمنح إيران مبررا لإعادة بناء اصطفاف مضاد وربما يدفع تركيا وباكستان والسعودية إلى تنسيق أمني وعسكري أكثر صرامة ضدها أما بقاء الاتفاق مفتوحا وغامضا يمنح الدبلوماسية الإيرانية مساحة واسعة للمناورة ويتيح لها محاولة التأثير في اتجاهاته قبل أن تتحول إلى مؤسسة أمنية متماسكة .

 

الاتصال الباكستاني بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بعد توقيع الاتفاق مباشرة قد يكون أكثر أهمية من نصوص كثيرة وردت في الاتفاق نفسه لأنه عكس رغبة حقيقية لدى إسلام آباد في ألا تتحول الخطوة الجديدة إلى مصدر سوء فهم مع طهران كما أن الحديث الإيراني عن عدم وجود سبب للقلق وعن ضرورة أن تكون المنظومة الأمنية شاملة ومستقلة عن القوى الخارجية ليس بالضرورة رفضا للاتفاق بقدر ما هو محاولة مبكرة لتحديد قواعد اللعبة الجديدة بين الاطراف المختلفة .

 

عمليا إيران تستطيع أن تحقق مكسبا آخر يتمثل في تحويل نفسها من دولة مستهدفة بالترتيبات الأمنية إلى دولة لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية وإذا ما توسع اتفاق مكة وانضمت إليه مصر أو دول عربية وإسلامية أخرى فإن بقاء إيران خارجه سيجعل المنظومة ناقصة جغرافيا واستراتيجيا أما إذا تحولت فكرة الأمن الإقليمي إلى إطار أوسع فإن طهران يمكنها أن تدفع باتجاه المشاركة فيه أو على الأقل إقامة تفاهمات أمنية وسياسية مع أطرافه وهو ما يمنحها اعترافا إقليميا جديدا بدورها بدلا من استمرار سياسة الاحتواء التي تراوح مكانها .

 

الملاحظ تزايد أهمية هذه التطورات بالنسبة للسعودية تحديدا خاصة وان الرياض وطهران قطعتا خلال السنوات الأخيرة مسافة مهمة في مسار تخفيف التوتر وإعادة العلاقات ومن غير المنطقي أن تستثمر السعودية في منظومة أمنية جديدة ثم تعيد المنطقة إلى مربع المواجهة المفتوحة مع إيران مرة اخرى لأن الهدف السعودي الأعمق يبدو أقرب إلى تنويع مصادر الردع والحماية منه إلى خوض حرب جديدة مع جارتها الكبرى ولذلك فإن اتفاق مكة بكل التزاماته قد يصبح من أفضل السيناريوهات المتوقعة بالنسبة لطهران كأداة ردع متبادل تمنع الحرب بدلا من أن تكون مقدمة اساسية لها .

 

كما أن دخول تركيا إلى المعادلة حمل لإيران فرصة لا تقل أهمية عن الخطر سيما وان البلدان يختلفان في ملفات عديدة لكنهما يتفقان في رفض هيمنة إسرائيل على الإقليم وفي ضرورة منع تفكك دول المنطقة وفي السعي إلى دور إقليمي مستقل عن الإرادة الإسرائيلية والأمريكية ومع اتساع التوتر التركي الإسرائيلي في سوريا والمنطقة يمكن أن تتقاطع المصالح الإيرانية والتركية بصورة أكبر وهو ما يجعل تحويل أنقرة إلى خصم مباشر لطهران أمرا أكثر تعقيدا مما يبدو على الورق .

 

أما باكستان فهي الحلقة الأكثر حساسية بالنسبة لإيران لأنها تجمع بين علاقتها بالسعودية وتركيا وبين علاقاتها التاريخية مع طهران وعلاقتها الاستراتيجية بالصين وحرصها على عدم الانجرار إلى مواجهة مذهبية أو حرب إقليمية شاملة ولذلك فإن إسلام آباد قد تتحول فعليا إلى قناة اتصال مهمة بين إيران والمنظومة الجديدة بدلا من أن تكون أداة لمحاصرتها .

 

لكن أخطر ما يمكن أن تفعله إيران هو أن تسيء قراءة هذه الفرصة خاصة إذا تعاملت مع اتفاق مكة باعتباره مؤامرة مكتملة ضدها ودفعها ذلك إلى اختبار الاتفاق عبر الحوثيين أو العراق أو أي ساحة أخرى فإنها قد تساعد بنفسها على تحويل الاتفاق من إطار دفاعي غامض إلى تحالف صريح لمواجهتها وعندها ستكون قد فقدت أهم ميزة متاحة لها حاليا وهي غياب العدو المحدد داخل نص الاتفاق .

 

هنا قد تظهر نقطة شديدة الأهمية وهي أن قوة اتفاق مكة قد لا تكون في قدرته على خوض حرب ضد إيران وإنما في قدرته على تغيير حسابات إيران قبل اندلاع الحرب لان الردع الناجح لا يحتاج دائما إلى إطلاق رصاصة واحدة وإنما يكفي أن يجعل الطرف الآخر يدرك أن كلفة التصعيد أصبحت أعلى وأن استهداف السعودية مثلا قد يستدعي موقفا تركيا أو باكستانيا أو عربيا أوسع .

 

في المقابل إن إيران تستطيع استخدام الاتفاق نفسه للضغط باتجاه تسوية إقليمية أشمل إذا نجحت في إقناع السعودية وتركيا وباكستان بأن الأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على استبعادها وإنها ستكون قد نقلت المعركة من ميدان الصواريخ والمسيّرات إلى ميدان الدبلوماسية حيث تملك طهران خبرة واسعة وقدرة على المناورة وربط الملفات بعضها ببعض بصورة قوية وحكيمة .

 

ان الحديث عن احتمال دعوة إيران إلى الانضمام إلى اتفاق مكة فلا يزال يحتاج إلى تأكيد رسمي من الدول الثلاث المتحالفة ولذلك لا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة مكتملة لكن واقعيا ان مجرد تداول الفكرة يحمل دلالة سياسية مهمة لأنه يكشف أن السؤال لم يعد هل تستطيع دول المنطقة بناء منظومة أمنية من دون الولايات المتحدة فقط بل هل تستطيع بناء منظومة أمنية مستقرة من دون إيران أيضا .

 

هذه في الحقيقة هي الركيزة التي قد تكون إيران قد فهمتها مبكرا ولذلك تبدو هادئة ومتزنة في التعامل مع اتفاق مكة بدلا من شن حملة سياسية واسعة ضده لان طهران تدرك أن الاتفاق إذا بقي إقليميا مستقلا ومفتوحا يمكن أن يتحول من أداة لاحتوائها إلى منصة لإعادة إدماجها في القريب العاجل أما إذا أصبح تفاهما أمريكيا بالوكالة وموجها ضدها صراحة فسوف يتحول إلى خطر حقيقي وداهم .

 

لذلك ووفقا للعديد من القراءات والتحليلات تبدو المعركة الحقيقية حول اتفاق مكة ليست بين إيران والسعودية ولا بين إيران وتركيا أو باكستان وإنما حول سؤال أكبر بكثير وهو من يملك قرار أمن الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة واشنطن أم العواصم الإقليمية وإذا كان اتفاق مكة هو بداية انتقال القرار الأمني من الخارج إلى الداخل فإن إيران التي دفعت ثمنا كبيرا خلال السنوات الماضية بسبب صراعها مع المظلة الأمريكية قد تكون من أكبر المستفيدين من هذا التحول الجديد .

 

الأكثر أهمية أن الجغرافيا نفسها قد تعمل لمصلحة طهران إذا أحسنت استثمارها فإيران تقع في قلب المجال الذي يفترض أن تعيد هذه المنظومة الأمنية تنظيمه وهي تحد تركيا من جهة وباكستان من جهة أخرى وتطل مباشرة على الخليج الذي يمثل المجال الحيوي للسعودية ولذلك فإن أي منظومة أمنية إقليمية فعالة ستضطر في النهاية إلى التعامل مع إيران لا إلى تجاوزها فالجغرافيا لا يمكن توقيع اتفاقية لإلغائها وكلما اتسعت المنظومة الأمنية ازدادت الحاجة إلى تفاهمات مع الدولة التي تقع في قلب خطوط التماس والطاقة والممرات البحرية والبرية في المنطقة .

هناك مكسب اقتصادي اخر لا يقل أهمية إذ إن انتقال دول المنطقة من منطق الحماية الخارجية إلى منطق المصالح المتبادلة سيجعل استمرار الصراع مع إيران أكثر كلفة على الجميع وليس على طهران وحدها فالسعودية وتركيا وباكستان ترتبط مصالحها بالتجارة والطاقة والممرات البرية والبحرية التي تمر بمحاذاة إيران أو تتقاطع معها ولذلك تستطيع طهران أن تراهن على أن المصالح الاقتصادية ستفرض في النهاية ما تعجز القوة العسكرية عن فرضه وإذا أصبح اتفاق مكة بوابة للاستقرار لا منصة للمواجهة فإن إيران ستكون أمام فرصة لفتح ممرات جديدة للتجارة والتعاون مع جيرانها وهو مكسب قد يكون أكثر استدامة من أي انتصار عسكري .

الخلاصة : إيران عمليا لا تحتاج إلى الانضمام إلى اتفاق مكة كي تستفيد منه بل يكفيها مع انطلاقته أن تمنع تحوله إلى حلف ضدها وأن تدفع باتجاه توسيعه وأن تحافظ على قنواتها وتواصلها مع الرياض وأنقرة وإسلام آباد وأن تستثمر أي تراجع للدور الأمريكي في المنطقة وإذا نجحت في ذلك فقد تجد نفسها أمام معادلة تاريخية غريبة تتحول فيها منظومة أنشئت جزئيا لتقليل مخاطرها والخوف منها إلى إحدى الأدوات التي تساعد على الاعتراف بها وتثبيت مكانتها كجزء هام لا يمكن تجاوزه في بناء النظام الأمني الإقليمي الصاعد في المنطقة . كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية [email protected]




عدد المشاهدات : (277)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :