التخطيط الاستراتيجي ومرونة التفكير


رم -

*الدكتورة فداء مفلح عودة الزيدانين



 في ضوء التفكير الاستراتيجي يشهد العالم المعاصر تغيرات متسارعة في المجالات العلمية والتكنولوجية والمعرفية، مما جعل القدرة على التكيف وتحليل المتغيرات واختيار البدائل المناسبة من متطلبات النجاح. وفي هذا السياق، لم يعد امتلاك المعرفة كافيًا، بل أصبحت المرونة المعرفية ومرونة التفكير من القدرات الأساسية التي تدعم التفكير الإبداعي والنقدي والاستراتيجي.

 

تشير المرونة المعرفية إلى قدرة الفرد على تغيير أنماط تفكيره واستراتيجياته وفقًا لطبيعة الموقف، والنظر إلى المشكلة من زوايا متعددة، وتوليد حلول وبدائل مختلفة. أما مرونة التفكير فتتمثل في القدرة على الانتقال بين الأفكار والاحتمالات وعدم الجمود عند رأي أو أسلوب واحد، مع المحافظة على التقييم والاختيار الواعي. لذلك تختلف المرونة عن التردد؛ فهي تقوم على الوعي وتحليل الموقف واتخاذ القرار المناسب.

 

وترتبط المرونة ارتباطًا وثيقًا بالتفكير الاستراتيجي؛ فالرؤية الاستراتيجية تحدد الاتجاه والأهداف المستقبلية، بينما تتيح المرونة تعديل الوسائل والخطط بما يتناسب مع المتغيرات. فالتفكير الاستراتيجي لا يعني الالتزام بخطة ثابتة، وإنما الحفاظ على الأهداف مع القدرة على تغيير المسار عند ظهور فرص أو تحديات جديدة. وبذلك يستطيع الفرد تحليل الموقف من جديد، وتعديل الأولويات أو البحث عن بدائل، دون فقدان الاتجاه العام. كما تساعد المرونة المعرفية على الربط بين الحاضر والمستقبل من خلال تجاوز الحلول التقليدية، واستشراف الاحتمالات، والاستعداد لسيناريوهات متعددة.

 

ويتميز الشخص المرن بقدرته على تقبل وجهات النظر المختلفة، والاستفادة من الأخطاء، وإعادة تقييم القرارات عند ظهور معلومات جديدة، والتعامل مع المشكلات المعقدة وتوليد حلول متعددة، مع المحافظة على التركيز في ظروف الغموض والتغيير. وتبرز أهمية هذه القدرات في بيئة العمل والقيادة والإدارة واتخاذ القرار وحل المشكلات، خاصة في المؤسسات التي تواجه تغيرات اقتصادية وتكنولوجية واجتماعية مستمرة. كما تسهم المرونة في تعزيز التفكير الإبداعي من خلال إنتاج أفكار متنوعة، وتدعم التفكير النقدي عبر فحص المعلومات من أكثر من منظور ومراجعة الافتراضات قبل اتخاذ القرار.

ويمكن تنمية المرونة المعرفية ومرونة التفكير من خلال تدريب الفرد على النظر إلى المشكلات من زوايا متعددة، وطرح بدائل متنوعة، ومناقشة الآراء المختلفة، واستخدام العصف الذهني وتحليل السيناريوهات المستقبلية، إلى جانب مراجعة القرارات والتعلم من الأخطاء. والأهم أن تكون المرونة مرتبطة بالتفكير الاستراتيجي؛ أي المرونة في الوسائل مع الثبات النسبي في الرؤية والأهداف.

وبناءً على ذلك، فإن العلاقة بين المرونة المعرفية ومرونة التفكير والتفكير الاستراتيجي علاقة تكاملية؛ فالمرونة المعرفية تساعد على تعديل أنماط التفكير، ومرونة التفكير تتيح الانتقال بين البدائل، بينما يوجه التفكير الاستراتيجي هذه القدرات نحو رؤية مستقبلية وأهداف واضحة. ومن ثم تمثل المرونة أساسًا مهمًا لتحقيق الرؤية الاستراتيجية في عالم متغير، من خلال التكيف مع المستجدات، ومراجعة الخطط، واستثمار الفرص، ومواجهة التحديات بقرارات واعية تستند إلى تحليل الواقع واستشراف المستقبل.

*مختصة وخبيرة بالإرشاد الاسري المرونة المعرفية ومرونة التفكير




عدد المشاهدات : (860)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :