إلغاء انتخابات مجالس المحافظات: انقلاب على الدستور، وإجهاض للرؤى الملكية، وتقزيم متعمد لدور النائب


رم - ليث أكرم العزة

في لحظة يُفترض أن تُعمّق فيها الدولة مبدأ أن الأمة مصدر السلطات، وتُرسّخ اللامركزية كخيار استراتيجي لا رجعة عنه، تأتي خطوة إلغاء الانتخاب المباشر لأعضاء مجالس المحافظات والتحول إلى التعيين والتمثيل القطاعي الضيق، لتكون بمثابة انقلاب ناعم على الدستور، وإجهاض صريح للرؤى الملكية، وتشويه فادح لمعنى التمثيل الشعبي.

هذه ليست تعديلاً فنياً في قانون الإدارة المحلية، بل هي عملية ممنهجة لإفراغ اللامركزية من مضمونها، وإعادة المركزية من الباب الخلفي، تحت غطاء «الكفاءة» و«التمثيل المؤسسي».

ينص الدستور في مادته الرابعة والعشرين بكل وضوح: «الأمة مصدر السلطات»، وتمارس الأمة هذه السلطات على الوجه المبين في الدستور. هذا المبدأ ليس زينة خطابية، بل هو العمود الفقري للنظام.

عندما يُنتزع من أربعة ملايين ونصف ناخب محتمل حقهم في اختيار ممثليهم بالاقتراع المباشر في مجلس المحافظة، ويُستبدل بتعيينات من قطاعات محدودة، فإننا ننتزع من الأمة مصدر شرعيتها ونسلمها إلى يد السلطة التنفيذية. هذا ليس تطويراً، بل هو طعنة مباشرة في صدر المادة 24، وتحويل مبدأ السيادة الشعبية إلى شعار فارغ.

المحكمة الدستورية في قرارها التفسيري رقم (1) لسنة 2015 كانت واضحة لا تحتمل التأويل: عبارة «المجالس المحلية» في المادة (121) عامة ومطلقة، وتشمل أي مجلس يُمنح الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، بشرط أن يكون عنصر الانتخاب جزءاً أساسياً من تشكيله.

المحكمة لم تُجز التعيين الكامل أو شبه الكامل، ولم تفتح الباب لتحويل المجلس إلى تجمع معينين. تجاوز هذا الشرط يعني تجاهل تفسيراً دستورياً ملزماً، والعودة إلى منطق الوصاية الإدارية المقنعة. من يدّعي دستورية هذا التحول يتجاهل عمداً روح القرار ويفرغه من مضمونه.

أما الادعاء بأن المعينين من غرف التجارة والصناعة واتحاد الجمعيات الخيرية يمثلون الشعب، فهو ادعاء ساقط ومفضوح يفتقر إلى أي أساس ديمقراطي. الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة المستقلة للانتخاب تفضح هذا الادعاء بلا رحمة:

في انتخابات غرف التجارة (ديسمبر 2022) بلغ عدد الذين يحق لهم التصويت في مجالس الإدارات 26,843 ناخباً فقط، صوت منهم 11,128 بنسبة اقتراع متواضعة بلغت 41.46%. وفي انتخابات ممثلي القطاعات بلغ عدد الناخبين 27,982، صوت منهم 11,308 بنسبة 40.41%. قاعدة انتخابية ضيقة محصورة في فئة تجارية محدودة.

وفي انتخابات غرف الصناعة (أكتوبر 2022) انكشف الحجم الحقيقي أكثر: لم يتجاوز عدد الذين يحق لهم التصويت 1,504 ناخباً على مستوى المملكة كلها، صوت منهم 1,330 بنسبة 88.43%. نسبة مشاركة عالية داخل دائرة بالغة الضيق، لا تمثل إلا شريحة صناعية محدودة جداً.

أما انتخابات اتحاد الجمعيات الخيرية فوصلت نسبة الاقتراع فيها إلى حوالي 93%، لكنها تبقى محصورة داخل إطار قطاعي خاص بالجمعيات فقط، ولا تمتد إلى عموم المواطنين.

في المقابل، انتخابات مجالس المحافظات عام 2022 شهدت مشاركة 1,363,465 ناخباً من أصل 4,599,602 يحق لهم التصويت، بنسبة 29.64%. الرقم المطلق أكبر بعشرات المرات، والباب كان مفتوحاً أمام أي أردني تنطبق عليه شروط الترشح العامة، دون قيود مهنية أو قطاعية أو نخبوية.

الفرق ليس كمياً فحسب، بل جوهري وحاسم: مجلس المحافظة كان فضاءً مفتوحاً يعكس إرادة شعبية واسعة ومتنوعة، أما التعيين من غرف التجارة أو الصناعة أو اتحاد الجمعيات فيحصر التمثيل في نخب قطاعية انتخاباتها مغلقة على منتسبيها. هذا ليس تمثيلاً شعبياً، بل احتكاراً صريحاً للقرار المحلي وإقصاءً ممنهجاً للأغلبية الساحقة من الأردنيين.

هنا تكمن الشراسة الحقيقية للخطوة: هي ليست فقط إجهاضاً لمشروع اللامركزية والرؤى الملكية التي دعت مراراً إلى نقل التنمية إلى المحافظات عبر مجالس منتخبة تمكّن المواطن من تحديد أولوياته بنفسه، بل هي أيضاً عملية تقزيم متعمد لدور النائب البرلماني، وتحويله من مشرّع ومراقب إلى مجرد مقدم خدمات ومنافس على المشاريع الصغيرة.

بعض أعضاء مجلس النواب استشعروا مبكراً أن أعضاء مجالس المحافظات المنتخبين بدأوا يبنون قواعد وحواضن شعبية حقيقية في الشارع، بفضل الخدمات والمشاريع التي تُنفذ عبر المجلس.

هؤلاء الأعضاء أصبحوا ينافسون النائب على الأرض، ويحظون بشرعية مباشرة من ناخبيهم، ويحولون المجلس إلى أداة ضغط حقيقية على السلطة التنفيذية.

بدلاً من أن يرى النائب في ذلك فرصة لتعزيز الديمقراطية التشاركية وتخفيف الضغط عنه ليتفرغ للتشريع والرقابة، اختار بعضهم التخلص من المنافس.

إلغاء الانتخاب المباشر وإحلال التعيين يعني إعادة النائب إلى موقع «مقدم الخدمات» التقليدي، وإفراغ البرلمان من دوره التشريعي الحقيقي، وتحويله إلى ساحة منافسة على المنافع الضيقة.

هذا هو الجوهر السياسي القبيح للخطوة: ليست دفاعاً عن الكفاءة، بل دفاعاً عن احتكار القواعد الشعبية. ليست تطويراً للامركزية، بل وأداً لها قبل أن تنضج. ليست احتراماً للدستور، بل تحايلاً عليه.

إن الإبقاء على مجالس المحافظات منتخبة انتخاباً مباشراً ليس ترفاً سياسياً، بل هو استحقاق دستوري ووطني لا يقبل المساومة. أي تراجع عنه هو طعنة في مبدأ «الأمة مصدر السلطات»، وخيانة للوعود بالإصلاح، وتقزيم لدور النائب، وإعلان صريح بأن إرادة الناخب غير موثوق بها.

الشعب الأردني ليس قاصراً يحتاج إلى أوصياء معينين من قطاعات محدودة. هو مصدر السلطات، ويجب أن يبقى كذلك، مهما حاول البعض إجهاض هذا الحق تحت أي ذريعة.



عدد المشاهدات : (4246)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :