رم - بقلم الاستاذ الدكتور علي الطعاني
شهدت العلاقات الأردنية الصينية خلال السنوات الماضية توسعاً في التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والثقافة، لتتحول الجامعات والطلبة إلى أحد جسور التواصل بين عمّان وبكين.
وتعود جذور التعاون الأكاديمي والثقافي إلى ما قبل مبادرة الحزام والطريق، مع تأسيس معهد طلال أبوغزاله ـ كونفوشيوس عام 2008، ثم توسع تعليم اللغة الصينية في الجامعات ومراكز اللغات الأردنية.
وفي عام 2015 برز تعاون أكاديمي مع جامعة الصين لعلوم الأرض في ووهان، شمل بحث إنشاء جامعة أردنية صينية ومراكز بحثية، إلى جانب اهتمام الجامعة بالشأن الأردني من خلال مركز للدراسات والأبحاث المتعلقة بالأردن. وفي عام 2023 تأسس مركز للدراسات الأردنية في جامعة شمال غرب الصين للعلوم التطبيقية، بما عزز الاهتمام الأكاديمي بالأردن وفتح مجالات للبحث والندوات والتعاون الجامعي.
وتأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في 18 آب 2026 بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ في هذا السياق. وهي الزيارة التاسعة لجلالته إلى الصين، وتمثل فرصة لتعزيز التعاون في التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار.
ويبرز التعليم كأحد أهم مسارات هذه العلاقة. فقد درس أكثر من 600 طالب أردني في الجامعات الصينية، فيما يدرس نحو 700 طالب صيني في الجامعات الأردنية. كما استفاد أكثر من 2000 مسؤول وفني أردني من برامج التدريب الصينية خلال السنوات الماضية، بما يعكس انتقال التعاون من التعليم الجامعي إلى بناء القدرات ونقل الخبرات.
وتوسع تعليم اللغة الصينية ليشمل أكثر من 3000 دارس و7 مراكز رسمية، إلى جانب معهدين كونفوشيوس في الأردن. كما انتقل تعليم الصينية من الدورات إلى البرامج الأكاديمية، وصولاً إلى إطلاق جامعة فيلادلفيا برنامج ماجستير اللغة الصينية عام 2025، بوصفه أول برنامج من نوعه في الأردن.
ويأتي هذا التطور ضمن مسار أوسع بدأ مع مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين عام 2013. وأعلن الأردن دعمه للمبادرة منذ عام 2015، قبل أن يوقع البلدان في 29 تشرين الثاني 2023 مذكرة تفاهم حول التعاون في إطار الحزام الاقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين.
ويوفر هذا الإطار فرصة لتوسيع البعد المعرفي للعلاقات الثنائية من خلال تبادل الطلبة والباحثين وأعضاء هيئة التدريس، وزيادة المنح، وتنفيذ مشاريع بحثية مشتركة، وتطوير برامج أكاديمية وتدريبية، وربط الجامعات بمراكز البحث والابتكار.
وتبرز مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والمياه والأمن السيبراني وعلوم الأرض والفضاء والتكنولوجيا الطبية كمساحات يمكن أن تشهد مشاريع مشتركة تخدم أولويات الأردن وتستفيد من الخبرة الصينية.
ومن الأمثلة على تطور هذا التعاون دعم وكالة التعاون الإنمائي الدولي الصينية لمشروع التعليم العالي الذكي في الجامعات الأردنية بقيمة 9 ملايين دينار عام 2025. كما يوفر برنامج التعاون الجامعي الصيني العربي «10+10» إطاراً للتعاون في البحث والابتكار وتبادل الطلبة وأعضاء هيئة التدريس.
ويمثل الجانب الثقافي بعداً مكملاً للتعاون الأكاديمي. ويؤدي المركز الثقافي الصيني في عمّان، الذي تأسس عام 2020 وبدأ تشغيله التجريبي عام 2021، دوراً في تعليم اللغة الصينية وتنظيم الفعاليات الثقافية والفنية. ويمكن توسيع دوره لربط الثقافة بالفرص التعليمية والمنح والتبادل الطلابي والبحث العلمي.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود قاعدة بشرية وأكاديمية يمكن البناء عليها. فأكثر من 600 طالب أردني درسوا في الصين، ونحو 700 طالب صيني يدرسون في الأردن، وأكثر من 3000 طالب يتعلمون الصينية، إلى جانب آلاف المستفيدين من برامج التدريب.
والمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من الاتفاقيات والتبادل إلى مشاريع مشتركة في البحث والابتكار، مثل المختبرات البحثية، وبرامج الدراسات العليا المشتركة، والمشاريع متعددة التخصصات، وحاضنات الابتكار وتبادل الباحثين.
وهنا يمكن أن يصبح التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والثقافة جزءاً أساسياً من الشراكة الأردنية الصينية، وأن تتحول الجامعات والطلبة والباحثون إلى قوة تدعم العلاقات بين البلدين وتربط التعاون الاقتصادي والاستثماري بإنتاج المعرفة وبناء القدرات البشرية.