مخطط اغتيال ترامب المزعوم في تركيا .. حقيقة استخباراتية موثقة أم لعبة سياسية مفبركة ؟


رم -

< د . مهدي مبارك عبد الله لم تعد قصة خروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سراً من تركيا قابلة للتعامل معها باعتبارها مجرد رواية سياسية أو تسريباً إعلامياً عابراً خاصة وان المعلومات التي تكشفت خلال الساعات الأخيرة ترسم صورة أكثر تعقيداً وتؤكد أن أجهزة الأمن الأمريكية تعاملت مع معلومات استخباراتية حقيقية عن تهديد محتمل للرئيس بدرجة عالية من الجدية دفعتها إلى اتخاذ إجراءات استثنائية وغير مسبوقة في طريقة إخراجه من تركيا بعد قمة حلف الناتو في أنقرة وقد أكد ترامب نفسه أن قرار تغيير الطائرة جاء بناء على توصية من جهاز الخدمة السرية والجيش الأمريكي وأنه لم يكن مستعداً لمجادلة هذه الأجهزة في تقديرها الأمني وهو ما يمنح القصة ثقلاً مختلفاً عن الروايات التي ظهرت في الأيام الأولى حول أسباب تغيير الطائرة . ربما يكون الأكثر إثارة في القضية أن المسألة لم تتوقف عند استبدال الطائرة الرئاسية بطائرة أخرى والعديد من التقارير الأمريكية كشفت عن عملية تمويه كاملة هدفت إلى إخفاء مكان ترامب والطائرة التي سيغادر على متنها تركيا فقد ظهر الرئيس أمام الكاميرات وكأنه يصعد إلى طائرة إير فورس وان القديمة ثم جرى إخراجه سراً منها ونقله بواسطة مركبة تموين إلى طائرة عسكرية أصغر من طراز C-32A بينما بقي الصحفيون وعدد من موظفي البيت الأبيض على متن الطائرة التي كان يفترض أن يعتقد الجميع أن الرئيس موجود داخلها وهكذا تحولت إير فورس وان إلى طائرة تمويه وطعم في عملية أمنية دقيقة . هنا تكمن أهمية التفاصيل التي ظهرت لاحقاً ومثل هذا الإجراء لا يشبه عادة الحملات الدعائية ولا يحتاج إلى كل هذا التعقيد إذا كان الهدف مجرد صناعة قصة سياسية عن تعرض الرئيس للخطر لان عملية إخراج رئيس الولايات المتحدة من طائرة أمام الكاميرات ثم نقله سراً إلى طائرة أخرى وإبقاء الصحفيين وحتى بعض المسؤولين في الظلام تحمل في حد ذاتها مخاطر تشغيلية وسياسية كبيرة ولذلك فإن مجرد اللجوء إليها يمثل وجود دليل مؤكد على أن أجهزة الأمن كانت تتعامل مع احتمال حقيقي يستحق الاحتياط حتى لو ظلت طبيعة المعلومات الاستخباراتية ومصدرها والجهة التي تقف وراء التهديد بعيدة عن العلن . اللافت أن هذه التطورات جاءت بعد أسابيع من ظهور مؤشرات أخرى أثارت تساؤلات حول مستوى الحماية التي توفرها الطائرة الرئاسية الجديدة التي تبرعت بها قطر حيث كشفت تقارير أمريكية امنية أن الطائرة الجديدة لم تكن تمتلك جميع منظومات الحماية الدفاعية الموجودة في الطائرة الرئاسية القديمة بما فيها بعض القدرات المضادة للصواريخ ولذلك أوصت الخدمة السرية باستخدام الطائرة القديمة في مغادرة تركيا وهو ما يفسر جزئياً لماذا اتخذ القرار الأول باستبدال الطائرة الجديدة بالطائرة القديمة قبل أن تتكشف لاحقاً القصة الأكثر سرية المتعلقة بنقل ترامب إلى الطائرة العسكرية الصغيرة . المفارقة الأكثر إثارة أن ترامب قال لاحقاً إن الطائرة التي استقلها سراً ربما كانت في الواقع أكثر عرضة للخطر من إير فورس وان التي تركها وراءه وان المسألة لم تكن ببساطة اختيار الطائرة الأكثر تحصيناً وإنما محاولة إخفاء الطائرة التي يوجد عليها الرئيس فعلياً ومنع أي جهة تراقب حركة الطائرات من معرفة الهدف الحقيقي وهذا يفسر بوضوح اسباب استخدام الطائرة الرئاسية كوسيلة تضليل وليس باعتبارها وسيلة النقل التي تقل الرئيس بالفعل . من هنا تصبح قصة شاحنة التموين أكثر من مجرد تفصيل مثير في رواية غريبة خاصة وان الطريقة التي جرى بها نقل ترامب من الطائرة إلى الطائرة العسكرية تكشف أن الخطة اعتمدت على عنصر المفاجأة والتمويه وإرباك أي جهة قد تكون تراقب المطار أو حركة الطائرات ولم يكن المطلوب فقط حماية ترامب من تهديد محتمل بل منع الخصم من معرفة أين يوجد الرئيس وأي طائرة ستغادر به وهذا النوع من العمليات الأمنية يعتمد أساساً على تضليل المراقبة وليس على القوة الظاهرة ولذلك كان من الضروري أن يبدو المشهد أمام الكاميرات طبيعياً تماماً بينما كانت العملية الحقيقية تجري بعيداً عن الأنظار . مع كل ذلك فإن الاعتراف بوجود تهديد استخباراتي لا يعني تلقائياً أن كل ما قيل عن مخطط إيراني لاغتيال ترامب قد ثبت بصورة قاطعة وهناك فرق كبير بين معلومات استخباراتية تشير إلى احتمال وجود تهديد وبين امتلاك أجهزة الأمن أدلة علنية مكتملة على مخطط جاهز ومنفذين محددين وأسلوب تنفيذ محدد وهذه النقطة مهمة حتى لا تتحول الرواية الأمنية نفسها إلى رواية سياسية مكتملة العناصر قبل أن تظهر الأدلة التي تسمح بتقييمها بصورة مستقلة لكن الثابت حتى الآن أن أجهزة الأمن الأمريكية تصرفت كما لو أنها أمام تهديد يستوجب أعلى درجات الحذر وهذا وحده كاف لإسقاط فكرة أن القصة مجرد اختراع إعلامي بلا أساس أمني . واقعيا أن توقيت العملية يضيف بعداً سياسياً لا يمكن تجاهله خاصة وان ترامب قد وصل إلى تركيا في وقت بالغ الحساسية على خلفية التصعيد الأمريكي الإيراني وكانت إيران وحلفاؤها في صدارة الحسابات الأمنية الأمريكية وهو ما جعل أي تهديد محتمل للرئيس أكثر خطورة من الناحية السياسية والأمنية ولذلك فإن قرار إخراجه سراً لم يكن مجرد تغيير في برنامج السفر بل جزءاً من منظومة أوسع للتعامل مع بيئة أمنية اعتبرت واشنطن أنها خطرة وغير مضمونة بما يكفي لترك حركة الرئيس مكشوفة أمام الجميع . في المقابل فإن الطريقة التي جرى بها التكتم على العملية تفتح باباً آخر يتعلق بالشفافية السياسية والإعلامية والصحفيون الذين رافقوا الرئيس وبعض موظفي الإدارة كانوا يعتقدون أنه موجود على الطائرة الرئاسية في الوقت الذي كان فيه قد انتقل بالفعل إلى طائرة أخرى وهذا يعني أن دائرة المعرفة بالعملية كانت شديدة الضيق حتى داخل الإدارة نفسها وهو ما يعكس حجم الحساسية التي أحاطت بها العملية لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً سياسياً مشروعاً حول حدود السرية عندما يتعلق الأمر برئيس دولة يغادر دولة حليفة وسط عملية تضليل كاملة للرأي العام . الأخطر في تفاصيل هذه القصة تكشف أن الحرب الحديثة لم تعد تجري فقط بالصواريخ والطائرات والعمليات العسكرية المباشرة بل أصبحت المعلومات نفسها ساحة مواجهة ومعرفة مكان الرئيس وتحركاته وطائرته ومسار سفره يمكن أن تتحول إلى معلومة استراتيجية ولذلك لم يكن الهدف من العملية مجرد حماية ترامب جسدياً بل حرمان أي جهة معادية من امتلاك المعلومة الأساسية التي تسمح باستهدافه وهذا يفسر لماذا كانت عملية الخروج من تركيا أشبه بعملية خداع استخباراتي منها إلى رحلة رئاسية عادية . بناء على كل نا سبق تبدو حادثة تركيا اليوم أكثر أهمية من مجرد اجراءات أمنية مرتبطة بشخص ترامب وهي تكشف حجم القلق الذي وصل إليه مستوى الحماية الرئاسية الأمريكية في ظل المواجهة مع إيران كما تكشف هشاشة بعض الترتيبات الجديدة المتعلقة بالطائرة الرئاسية التي دفعت الإدارة إلى العودة إلى الطائرة القديمة ثم الذهاب خطوة أبعد باستخدام طائرة عسكرية أصغر كخيار سري وبينما ستبقى تفاصيل التهديد نفسه محاطة بالسرية فإن طريقة التصرف الأمريكية تقول شيئاً واضحاً للغاية وهو أن واشنطن لم تتعامل مع الأمر كاحتمال إعلامي عابر بل كخطر أمني يستحق تغيير خطة سفر الرئيس بالكامل . المنطقة الرمادية التي تدخل فيها السياسة على خط الاستخبارات بدا تتوضح وربما كان التهديد حقيقيا بالفعل لكن الكشف عنه وتوقيت تسريب تفاصيله واستخدامه في السجال السياسي الأمريكي قد يكون له أهداف أخرى تتعلق بتبرير المواقف المتشددة تجاه إيران أو تعزيز صورة ترامب باعتباره رئيسا مستهدفا من أعداء الولايات المتحدة وهو ما يعني أن الحقيقة الأمنية والسياسة ليستا بالضرورة نقيضين فقد تكون الأولى صحيحة ثم يجري توظيفها لخدمة الثانية . بكل بساطة وبراءة نسأل من المستفيد سياسياً من تثبيت رواية أن إيران تريد اغتيال ترامب بالنسبة إلى إيران إن اتهامها بالسعي إلى اغتيال الرئيس الأمريكي يضعها أمام صورة الدولة التي تريد نقل الحرب من استهداف المنشآت والقواعد إلى استهداف رأس الدولة الأمريكية وهذا قد يمنح واشنطن مبررات إضافية لتشديد العقوبات والضربات والضغط السياسي واما بالنسبة إلى إسرائيل فإن استمرار تصوير القيادة الإيرانية باعتبارها خطراً مباشراً على ترامب يمكن أن يساعد في إبقاء الرئيس الأمريكي داخل دائرة المواجهة بدلاً من العودة إلى التفاوض وهذا لا يعني أن إسرائيل اخترعت التهديد ولا يعني أن إيران بريئة من كل التهديدات التي نسبت إليها إنما يعني فقط أن المعلومة الاستخباراتية قد تكون صحيحة في أصلها ثم تصبح لها وظيفة سياسية تتجاوز مضمونها الأصلي . الأهم في المحصلة ليس ما إذا كان ترامب قد اصيب بالصدمة والهلع أو ما إذا كانت الواقعة تخدم صورته السياسية بل لماذا كانت الأجهزة الأمريكية مستعدة لتحمل كل هذا التعقيد والمخاطرة من أجل إخفاء طائرته الحقيقية إذا لم تكن لديها معلومات تستحق ذلك خصوصا وان كافة زوايا المشهد الذي بدأ بتغيير طائرة وانتهى بشاحنة تموين وطائرة عسكرية وطيارة رئاسية تحولت إلى طعم تضليلي يكشف أن وراءه تقديراً استخباراتياً لم تعلن واشنطن تفاصيله حتى الآن ولذلك فإن القصة لم تنته بخروج ترامب من تركيا بل بدأت فعلياً عند تلك اللحظة لأن ما جرى في مطار أنقرة يترك خلفه ملفاً أمنياً وسياسياً مفتوحاً حول طبيعة التهديد الإيراني ومدى قربه من الرئيس الأمريكي وما إذا كانت العملية مجرد احتياط امني ناجح أم أنها جاءت استجابة لمعلومة أكثر خطورة مما تسمح واشنطن بالإعلان عنه ختاما : قصة ترامب الحقيقية في تركيا لا تكمن فقط في الشاحنة التي أخفته عن العيون ولا في الطائرة التي كانت طُعماً للمتابعين بل في السؤال الذي بقي مختبئاً خلف كل ذلك هل كان ترامب يهرب من خطر إيراني حقيقي على حياته أم من رواية استخباراتية لم يُكشف بعد مقدار الحقيقة والفبركة فيها كاتب وباحث متخصص في الشؤون التجارية [email protected]




عدد المشاهدات : (551)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :