رم - د. جمال الدباس
طب ام هندسة ام تخصص آخر؟
مع اعلان نتائج التوجيهي، يبدأ كثير من الطلاب واسرهم رحلة البحث عن التخصص الجامعي. وقد يسمح المعدل بدخول الطب او الهندسة او تخصص آخر، لكن هل يعني ذلك انه التخصص المناسب لك؟
وقد ينشغل الطالب بسؤال: ما التخصص الاكثر طلبا او الاعلى دخلا؟ لكن هناك سؤالا ينبغي ان يسبق ذلك كله:
ما المجال الذي يتوافق مع ميولي وقدراتي، ويمكنني ان ابدع فيه؟
فالمعدل قد يفتح لك الباب، لكنه لا يختار الطريق نيابة عنك. والنجاح لا يصنعه اسم التخصص وحده، بل يبدأ عندما تلتقي الميول بالقدرة، والطموح بالاجتهاد، والموهبة بالعمل والمثابرة.
وهذه ليست مجرد عبارات تحفيزية؛ فالعلم لديه ما يقوله عن العلاقة بين ميول الطالب واختياره الدراسي، وهناك نموذج عالمي معروف يمكن ان يساعده على فهم ميوله قبل اتخاذ واحد من اهم قرارات مستقبله.
ماذا تقول الدراسات؟
اظهرت مراجعة علمية نشرت في مجلة Educational Research Review عام 2024، وجمعت نتائج 23 دراسة، ان توافق ميول الطالب مع برنامجه الدراسي يرتبط بالتحصيل الاكاديمي والاستمرار في التخصص والرضا عنه.
كما وجدت دراسة طولية كبيرة شملت في بدايتها اكثر من 80 الف طالب في 87 كلية علاقة بين توافق اهتمامات الطالب مع تخصصه وبعض مؤشرات النجاح الجامعي.
لكن الرسالة العلمية هنا ليست ان الميول وحدها تصنع النجاح. فالنجاح اكثر تعقيدا من ذلك، ويتطلب ايضا القدرة والمهارات والاجتهاد والفرص. لكن عندما يختار الانسان مجالا يثير اهتمامه ويتوافق مع قدراته، يصبح لديه سبب اقوى للتعلم والاستمرار والتطور فيه.
والتاريخ يقدم امثلة ملهمة على اشخاص ارتبط ابداعهم بمجالات استحوذت على اهتمامهم: اينشتاين في الفيزياء، وماري كوري في البحث العلمي، واحمد زويل في الكيمياء، ومجدي يعقوب في جراحة القلب، وايلون ماسك في التقنية والفضاء، وليوناردو دافنشي الذي جمع بين الفن والعلم.
ولا تعني هذه الامثلة ان الشغف وحده يكفي، بل ان الميل الى المجال حين يقترن بالموهبة والتعلم والعمل الجاد والمثابرة يمكن ان يتحول الى تميز وانجاز.
كيف تعرف ميولك قبل اختيار تخصصك؟
قبل ان تسال: اي تخصص اختار؟ اسال اولا: من انا، وماذا احب ان افعل فعلا؟
فالميول ليست مجرد مادة تحبها في المدرسة. قد يحب الطالب الاحياء، لكنه لا يرغب في التعامل اليومي مع المرضى. وقد يتفوق طالب في الرياضيات، لكنه يجد متعته الحقيقية في التصميم اكثر من الحسابات المجردة.
لذلك، يمكن ان تبدأ بخطوات بسيطة:
* راقب ما يجذبك تلقائيا: ماذا تقرا او تشاهد او تبحث عنه عندما لا يطلب منك احد ذلك؟ فالاختيار الحر يكشف كثيرا من اهتماماتنا.
* اسال اين تتفوق: لا تنظر الى العلامة وحدها، بل الى المواد والمهارات والانشطة التي تفهمها وتستمتع بها وتجد نفسك قادرا على التطور فيها.
* حدد نوع العمل الذي تستمتع به: هل تحب التعامل مع الانسان؟ حل المشكلات؟ الارقام؟ المختبر والتجارب؟ التكنولوجيا والالات؟ الرسم والتصميم؟ القراءة والبحث؟ القيادة؟ ام التنظيم والدقة؟
* جرب قبل ان تقرر: تحدث مع طبيب او مهندس او مبرمج او محام او شخص يعمل في المجال الذي تفكر فيه. تعرف الى طبيعة يومه الحقيقي، وزر مكان العمل ان امكن. فنحن احيانا نحب صورة المهنة، ثم نكتشف ان ممارستها اليومية لا تناسبنا.
* اختبر اختيارك بالواقع: هل استطيع دراسة هذا المجال سنوات؟ هل يتوافق مع قدراتي؟ هل تناسبني طبيعة العمل بعد التخرج؟ وهل ارى نفسي قادرا على التعلم والتطور فيه لسنوات طويلة؟
استفد مما بحثه العلماء
ليس مطلوبا من طالب التوجيهي ان يبدأ رحلة اكتشاف نفسه من الصفر. فقد امضى علماء النفس والارشاد المهني عقودا في دراسة ميول الانسان وعلاقتها بالدراسة والعمل.
ومن اشهر هؤلاء عالم النفس الامريكي جون هولاند (John L. Holland)، المتخصص في علم النفس والارشاد المهني، والذي طور واحدة من اشهر نظريات الاختيار المهني واوسعها استخداما.
وتقوم فكرته ببساطة على ان الناس يختلفون في ميولهم واهتماماتهم، وان بعض البيئات الدراسية والمهنية قد تكون اكثر انسجاما مع هذه الميول من غيرها.
ومن هذه الفكرة جاء نموذج هولاند (RIASEC)، الذي يصنف الميول المهنية في ستة انماط عامة: عملي، بحثي، فني، اجتماعي، ريادي، وتنظيمي.
لكن هذا النموذج لا يقول للطالب: “يجب ان تدرس الطب”، او “مكانك الهندسة”. بل يساعده على فهم ما يجذبه، ثم يوجهه الى مجموعة من المجالات التي تستحق ان يتعرف اليها ويبحث فيها.
فهو دليل للاستكشاف، وليس حكما نهائيا على المستقبل.
حول ميولك الى خريطة بسيطة
بدلا من ان تبدأ باسم التخصص، ابدأ بنفسك واسال:
هل احب الانسان، وفهمه ومساعدته والتعامل معه؟
← قد تميل الى مجالات مثل الطب والمهن الصحية، علم النفس، التربية وعلم الاجتماع.
لكن هذه التخصصات جميعها تتعامل مع الانسان، فكيف نميز بينها؟ اسال نفسك:
باي جانب من الانسان اهتم اكثر؟
الانسان + العلم التطبيقي + التحليل وحل المشكلات
← الطب: علم تطبيقي يبحث في كيفية عمل جسم الانسان، وما يتغير فيه عند المرض، والاستدلال من الاعراض والعلامات والفحوصات للوصول الى التشخيص والعلاج.
الانسان + السلوك والتفكير والمشاعر
← علم النفس.
الانسان + التعلم ونقل المعرفة والتواصل
← التربية والتعليم.
الانسان + المجتمع والعلاقات والظواهر الاجتماعية
← علم الاجتماع.
وبالطريقة نفسها، واصل رسم خريطتك:
هل احب العلم والاكتشاف والتجربة، واسال كثيرا: لماذا وكيف؟
← الكيمياء، الفيزياء، الجيولوجيا، العلوم والبحث العلمي.
هل احب الارقام والمنطق وحل المسائل؟
← الهندسة، الرياضيات، علوم الحاسوب، البرمجة، الاحصاء وبعض مجالات الاقتصاد والتمويل.
هل تستهويني الالات والتكنولوجيا، واحب معرفة كيف تعمل الاشياء وتحويل الافكار الى تطبيقات؟
← الهندسة، الميكاترونكس، التكنولوجيا والتخصصات التقنية.
هل احب الابداع والتخيل وتحويل الافكار الى شيء جديد؟
← التصميم، العمارة، الفنون، الاعلام والكتابة.
هل احب القراءة والبحث وفهم الانسان والمجتمع والماضي؟
← التاريخ، علم الاجتماع، العلوم السياسية والعلوم الانسانية.
هل اميل الى القيادة والاقناع والمبادرة؟
← ادارة الاعمال، القانون، التسويق وريادة الاعمال.
هل احب التنظيم والدقة والتعامل مع البيانات؟
← المحاسبة، التمويل، الادارة، الاحصاء وتحليل البيانات.
لا تبحث عن ميل واحد
وهنا تكمن الفكرة الاهم: معظم الناس لا يملكون ميلا واحدا، كما ان التخصصات لا تعتمد على قدرة واحدة.
فالطب مثلا يجمع الاهتمام بالانسان مع العلم التطبيقي والتحليل وحل المشكلات. والهندسة تجمع العلم والرياضيات بالتطبيق والابتكار. والعمارة قد تجمع التقنية والحساب بالابداع والتصميم.
لذلك ابحث عن نقطة التقاء ميولين او ثلاثة لديك، ثم ضع الى جانبها قدراتك ومهاراتك وطبيعة الدراسة والمهنة وفرص المستقبل.
وعندها يتغير السؤال من:
ما التخصص الذي يسمح به معدلي؟
الى سؤال اكثر نضجا:
ما الذي احبه؟ وما الذي استطيع ان اتقنه؟ وفي اي مجال استطيع ان ابني مستقبلا واقعيا وابدع؟
كلمة للطالب واهله
لا تختر تخصصك لان معدلك يسمح به فقط، ولا لان صديقك اختاره، ولا لان المجتمع يضع امام اسمه لقبا براقا.
استمع الى اهلك، واستفد من خبرة من سبقوك، وافهم سوق العمل وفرص المستقبل، لكن ابحث في النهاية عن نقطة التقاء ثلاثة امور:
ما تحب + ما تستطيع ان تتقنه + ما تستطيع ان تبني به مستقبلا واقعيا.
فالمبدع ليس بالضرورة من دخل “اعلى” تخصص، بل كثيرا ما يكون من وجد التخصص المناسب له، ثم تعلم واجتهد وثابر حتى اصبح متميزا فيه.
ولو عاد بك الزمن الى يوم اختيار تخصصك الجامعي… هل ستختار التخصص نفسه؟