حين تصبح التشكيلات الوزارية مادةً للتخمين!!


رم - الدكتور نسيم أبو خضير

في الدول التي تحترم مؤسساتها ، تُدار شؤون الدولة بمنطق المسؤولية ، وتُصان القرارات السيادية من العبث ، ولا تتحول القضايا الوطنية الكبرى إلى مادة للتخمين والتسريبات و«الترند» على منصات التواصل الإجتماعي

ومن المؤسف أن نرى بين حين وآخر منشورات تتحدث بثقة غريبة عن التشكيل الوزاري أو التعديل الوزاري ، فتقرأ عناوين من قبيل ، «الوزير فلان خارج الحكومة» ، و«الشخصية فلان ستدخل الفريق الوزاري» ، و«مصادر تؤكد مغادرة عدد من الوزراء» ، وكأن أصحاب هذه المنشورات يجلسون داخل غرف صناعة القرار ، ويملكون المعلومات قبل صدور القرار الرسمي

وهنا السؤال الوطني الذي يجب أن يُطرح بوضوح ، من أين تأتي هذه المعلومات؟ ومن أعطى الحق لأحد بأن يجعل من التشكيل الوزاري مادةً للتداول الشعبي قبل أن يصدر القرار الرسمي ؟

إن اختيار الوزراء ، وإجراء التعديل الوزاري ، وتحديد من يدخل الفريق الوزاري ومن يغادره ، ليس مسابقةً للتوقعات ، ولا مجالاً مفتوحاً للتكهنات الإعلامية ، بل هو شأن من شؤون إدارة الدولة ، وتترتب عليه اعتبارات سياسية ودستورية ومؤسسية دقيقة.

ولا يعني ذلك ، بأي حال من الأحوال ، التضييق على حرية الرأي أو مصادرة حق الإعلام في التحليل والنقد ، فالإعلام الوطني المسؤول شريك أساسي في حماية الدولة وتنوير الرأي العام ، ولكن هناك فارق كبير بين التحليل السياسي وبين نشر معلومات غير رسمية على أنها حقائق مؤكدة ، وبين النقد المشروع وبين صناعة «تسريبات» تُربك المشهد العام وتسيء إلى الأشخاص والمؤسسات.

والأخطر من ذلك أن بعض هذه المنشورات لا تكتفي بالقول إن هناك تعديلاً وزارياً مرتقباً ، بل تبدأ بتسمية الأشخاص ، فتضع هذا الوزير خارج الحكومة ، وتضع ذاك الشخص داخلها ، ثم تنتشر المعلومة خلال دقائق بين آلاف الحسابات ، لتتحول الإشاعة إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان الناس وهنا نحتاج إلى وقفة جادة ومراجعة وطنية وتشريعية .

أرى أن من الضروري دراسة وضع إطار قانوني واضح يمنع نشر أو تداول المعلومات غير الرسمية المتعلقة بالقرارات السيادية والتشكيلات الوزارية قبل صدورها من الجهة المختصة ، متى كان النشر يتضمن ادعاءات كاذبة أو تسريبات غير مشروعة أو يترتب عليه الإضرار بالأمن الوطني أو بالمصلحة العامة أو بسمعة الأشخاص والمؤسسات ، وأن تُحدد المسؤولية القانونية عن ذلك بصورة دقيقة ، بما ينسجم مع الدستور والقوانين النافذة

فالهدف ليس إسكات الناس ، ولا تحويل المجتمع إلى متلقٍ صامت ، وإنما حماية هيبة الدولة من فوضى «المصادر الخاصة» و«المعلومات الحصرية» التي لا يعرف أحد مصدرها ، ثم يتبين بعد ساعات أو أيام أنها مجرد إجتهاد أو إشاعة أو قراءة شخصية

إن الدولة لا تُدار بمنشورات فيسبوك ، ولا برسائل مجموعات الواتساب ، ولا بتغريدة مجهولة المصدر فالدولة تُدار بالمؤسسات ، والقرارات تُعلن عبر قنواتها الرسمية

وإذا كان هناك تعديل وزاري ، فليصدر التعديل ، وإذا صدر القرار ، فليكن النقاش بعد ذلك مفتوحاً للجميع ، نقداً وتحليلاً وتقييماً ، أما أن تسبق وسائل التواصل الاجتماعي القرار الرسمي ، وتبدأ بتسمية الخارجين والداخلين ، فهذا أمر يستحق المراجعة الجادة

والسؤال الأهم هنا ، هل أصبحنا الدولة الوحيدة التي تتحول فيها التشكيلات الوزارية إلى سوق مفتوح للتسريبات والتوقعات والأسماء ؟

إنني أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر في هذه الظاهرة ، ووضع حد واضح لها ، ليس دفاعاً عن وزير بعينه ، ولا عن حكومة بعينها ، وإنما دفاعاً عن هيبة القرار الرسمي ، وإحترام مؤسسات الدولة ، وكرامة الأشخاص الذين تُتداول أسماؤهم دون علمهم ، وحق المواطن في الحصول على المعلومة الصحيحة من مصدرها الصحيح.

فليكن شعارنا واضحاً ،
نريد إعلاماً يسأل ، لا إعلاماً يتنبأ.
نريد إعلاماً يحلل ، لا إعلاماً يسرّب.
نريد إعلاماً ينتقد القرار بعد صدوره ، لا إعلاماً يصنع القرار قبل صدوره

وفي الدولة التي نحترم مؤسساتها ، لا ينبغي أن يكون السؤال ، «من سيخرج ومن سيدخل؟» ، وإنما ينبغي أن يكون السؤال ، «كيف نريد أن يكون أداء حكومتنا ، وكيف نخدم وطننا ونحافظ على مؤسساته؟»

فالمنصب الوزاري تكليف ، وليس غنيمة ، والقرار الرسمي ليس خبراً للتسابق على نشره ، وهيبة الدولة ليست مادةً للترند فوطننا أكبر من منشور ، وأهم من سبق صحفي ، وأعمق من تسريب مجهول المصدر .



عدد المشاهدات : (4828)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :