الدكتور محمود المساد
في الإدارة كما هو في الطب، قد تبدو نتائج فحوصات المختبر ممتازة… بينما يستمر المريض بالمعاناة.
إذن؛ المشكلة ليست في أرقام نتائج التحاليل، بل ربما في دقة الأرقام، وصحّتها، فيما إذا كانت حقيقة، أم أنها وقعت تحت عبث بعضهم.
قرأت في مقال الأخ وائل المنسي الموسوم ب "الأردن لا يحتاج إلى مؤشرات أكثر... بل إلى مؤشرات أصدق"، ما لفَت نظري إلى بشاعة المشهد، وكيف تتضاعف هذه البشاعة عندما نخون المسؤولية التي أقسمنا على أدائها بكل مِهْنيّة، وكفاءة، ونزاهة، وشفافية، وإنجاز حقيقي على أرض الميدان.
والسؤل القيمي، والإنساني، والوطني، الذي يفرض نفسه بامتياز هو:
كيف نقسم، ونتعهد، بتحقيق الهدف الرئيس لعمل جميع مؤسّسات التعليم، ألا وهو إعداد المتعلمين، وإكسابهم المعارف، والمهارات، والاتجاهات المطلوبة؛ لبناء شخصياتهم القوية المتوازنة، الناضجة التي تؤهلهم للتفاعل الناجح مع محيطهم في حياتهم المستقبليّة؛ تأثرا وتأثيرا ؟ إضافة إلى توفير البيئات، والفرص التي من شأنها ضمان ممارساتهم العملية للحداثة، والتكنولوجيا، والقيَم الفضلى، والانتماء للوطن، من دون أن نحقق ذلك، ولا نسعى إليه، على الرغم من كل الانتقادات الخبيرة الصادقة التي تؤشر على مَواطِن الخلل، وتقديم الحلول الناجعة لكل ذلك.
وعلى رأي الأخ "وائل المنسي"، هذه هي الفكرة التي يلخصها قانون غودهارت: "عندما يتحول المؤشر إلى هدف، يفقد قيمته كمؤشر". فالمؤشر وُجِد ليقيس الواقع، لا ليتحول إلى غاية بحدّ ذاتها، حيث تتوجَّه الجهود لتحسين الرقم، بدلا من أن تتوجه لتحسين حياة الناس. وعندها تصبح المؤسسة ناجحة على الورق، بينما لا يشعر المواطن بأي فرق!!!
وفي أروقة مؤسّسات التعليم، يصبح المشهد أكثر تعقيدا، وتزداد وتيرة الأخطاء، وتتعدد الاحتمالات، فنجد أننا لم نقِس ما خططنا لقياسه، أو يفترض بنا قياسه. أو أننا خططنا لتحسين نتائج الاختبار بقياس أشياء أخرى، أو تلاعبنا بالنتائج للتعمية على الرقابة بوصفها الجانب الأهم من تحقيق الأهداف غير المراقبة.
وهنا أُقدم لِما سأقوله …بأننا نفتقد الصدق في الإدارة، بل نفتقد الإدارة نفسها. فعندما يتحول الرئيس إلى مرؤوس، وأدوات تحقيق الأهداف إلى أهدف، تغيب المسؤولية، وتتبدّد المساءلة.
وعندما تنحرف مؤسّسات التعليم عن الهدف الرئيس الذي تأسست من أجله،_ وسبق أن نوّهنا عنه في مطلع هذا المقال وهو إعداد المتعلم.. إلى أدوات، تم وضعها من أجل تحقيق هذا الهدف وخدمته ودعمه، نكون قد وقعنا في المحظور.. مثل: أن يصبح المحتوى الدراسي ( الكتب المدرسية، ومصادر التعلم الأخرى )، وبيئات التعلم ( بما فيه ولها من مرافق ومناخ تعلم ) هي الهدف …تصبح مؤسّسات التعليم تائهة لا ترى أبعد من ظلها؛ نتيجة فهم قادتها القاصر.
وكذلك الحال، فعندما نضع إجراءات حضور الطلبة، وغيابهم التي تم وضعها ابتداءً؛ من أجل دعم تعلمهم، ورفع درجات تحصيلهم، نعود نتيجة هذا الفهم العاجز إلى محاسبتهم على غياب يوم، أو يومين زيادة على النسبة المقررة؛ على الرغم من تحصيل بعضهم درجات تصل إلى ٩٩٪ كعلامة مستحقة.
والأمثلة على هذا كثيرة جدّا ومنها: حين يتحول التعليم إلى سيل من الاختبارات، والممنوعات، والعقوبات، وكلها سيوف مرهقة، ومقلِقة، ومنفُرة لهؤلاء الطلبة، نكون قد نسينا أن عقول الطلبة التي هي المداخل الوحيدة لتعلمهم، لا تعمل أمام أي تهديد وتوتر، تتعرض له.
وعندما وعندما.. وقد تطول القائمة. نقف، ونتأمل، ونقول: هذا ما صنعته أيدينا، واختارته معاييرنا..!!!
سامحكم الله، وحمى الله الأردن دولة عصيّة على كل الطامعين
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |