د . مهدي مبارك عبد الله
في باطن الجبال الإيرانية القريبة من مدينة نطنز لا تختبئ مجرد منشأة عسكرية تقليدية بل يبرز أحد أكثر المواقع غموضاً وإثارة للجدل في الملف النووي الإيراني وهو ما يعرف باسم جبل الفأس أو بيكاكس ماونتن وهو الاسم المتداول لمجمع الأنفاق العميقة المعروف إيرانياً باسم كوه كلنغ غاز لا والذي تحول خلال الفترة الأخيرة إلى عنوان رئيسي في المواجهة بين واشنطن وطهران بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستهدافه وتدميره باعتباره الحلقة التي قد تبقي البرنامج النووي الإيراني قادراً على الاستمرار مهما كانت شدة الضربات التي تطال المنشآت الأخرى .
يقع هذا الجبل في منطقة استراتيجية جنوب منشأة نطنز النووية وعلى مسافة قريبة جداً منها ويكتسب أهميته من طبيعة تصميمه الهندسي وليس فقط من موقعه الجغرافي فقد بدأت إيران أعمال إنشائه عام 2020 بعد سنوات من تعرض منشآت نووية أخرى لهجمات وتخريب متكرر الأمر الذي دفعها إلى البحث عن نموذج جديد من التحصين القوي الذي يجعل البنية الأساسية للبرنامج النووي بعيدة عن متناول الضربات الجوية التقليدية .
لقد بني جبل الفأس داخل طبقات صخرية صلبة من الغرانيت وتحولت أعماقه إلى شبكة معقدة من الأنفاق والمنشآت المحمية حيث تشير التقديرات إلى أن بعض أجزاء الموقع تقع على أعماق كبيرة جدا قد تصل إلى مئات الأمتار تحت سطح الأرض وهو ما يجعل التعامل العسكري معه أكثر صعوبة بكثير من منشآت مثل نطنز وفوردو التي كانت حتى وقت قريب تمثل قمة التحصين الإيراني .
التقارير الاستخباراتية الغربية تشير الى إن إيران ربما نقلت إلى هذا الموقع عدداً كبيراً من أجهزة الطرد المركزي المتطورة بعد ما تعرضت منشآت أخرى لأضرار كبيرة خلال الضربات السابقة كما تذهب بعض التقديرات إلى احتمال استخدامه مستقبلاً كمركز قادر على الحفاظ على جزء مهم من دورة التخصيب بعيداً عن أعين المراقبين الدوليين لكن طهران تؤكد أن مهمة هذه المنشأة تقتصر على تصنيع وتجميع أجهزة الطرد المركزي ولا تستخدم بتاتا لأي اغراض عسكرية أو لصناعة الأسلحة النووية .
الغموض المحيط بالموقع وعدم السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إليه جعلا منه نقطة قلق أساسية لدى بعض العواصم الغربية والمشكلة بالنسبة للولايات المتحدة لا تكمن فقط فيما هو موجود داخل الجبل اليوم بل في القدرة التي يمنحها هذا الموقع لإيران على إعادة بناء برنامجها النووي بعيداً عن تأثير الضربات العسكرية . تركيز إدارة ترامب الاخير على جبل الفأس جاء تحديداً حيث يدرك الرئيس الأميركي أن ضرب المنشآت الظاهرة مثل نطنز أو أصفهان أو غيرها قد يؤدي إلى تعطيل مؤقت ومرحلي للبرنامج لكنه لا يضمن إنهاءه بشكل كامل طالما بقي هناك موقع محصن قادر على استيعاب المعدات الحساسة وإعادة تشغيل القدرات النووية الإيرانية من جديد ولهذا قال ترامب في تهديد مباشر إن واشنطن تراقب الجبل عن قرب وإنها قد توجه إليه ضربة كبيرة في أي وقت .
في ظل هذه التطورات والتوترات يبرز السؤال العسكري الأكثر تعقيداً هل تستطيع الولايات المتحدة فعلاً تدمير جبل الفأس رغم تحصيانه القوية وجغرافيته القاسية والإجابة ليست سهلة لأن الأمر يتعلق بمواجهة بين قوة تدميرية هائلة وبين منشأة صممت أساساً لمقاومة تلك القوة والولايات المتحدة تمتلك قنابل خارقة للتحصينات مثل القنبلة العملاقة GBU-57 القادرة على اختراق طبقات عميقة من الأرض والصخور لكن خبراء عسكريين يشيرون إلى أن عمق هذه المنشأة وطبيعة الصخور المحيطة بها وتعدد الأنفاق والمداخل المتفرعة منها تجعل تدميرها بالكامل مهمة شديدة التعقيد ان لم تكن مستحيلة .
عسكريا القصف الجوي الدقيق والمتواصل قد يؤدي إلى إغلاق بعض المداخل أو إلحاق أضرار بأجزاء من البنية الخارجية لكنه لا يعني بالضرورة القضاء على كل ما بداخل الجبل وقد تحتاج واشنطن إلى عمليات متكررة ومكلفة لا تضمن النجاح الكامل وهو ما يفسر لماذا بقيت هذه المنشأة تشكل مصدر قلق كبير للولايات المتحدة حتى مع امتلاكها واحدة من أقوى الترسانات الجوية في العالم .
تجربة الهجمات الامريكية السابقة على المنشآت النووية الإيرانية ينبغي ان تقدم درساً مهماً بانه حتى الضربات التي استهدفت مواقع بارزة مثل نطنز وفوردو لم تؤد إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة كاملة بل تحولت القضية إلى سباق بين القدرة على التدمير والقدرة على إعادة البناء . الحقيقة ان جبل الفأس ليس مجرد هدف عسكري بالنسبة لترامب بل يمثل اختباراً سياسياً وعسكرياً لحدود القوة الأميركية القصوى وإذا نجحت واشنطن في تحييده وتدميره ستعتبر ذلك انتصاراً استراتيجياً كبيراً أما إذا فشلت في تحقيق هدفها فإن ذلك قد يمنح إيران ورقة دعائية وسياسية هائلة تؤكد من خلالها أن برنامجها النووي يمتلك قدرة على الصمود أمام أقوى الجيوش .
الخطر الأكبر في المسألة لا يكمن فقط في الجبل نفسه بل في التداعيات التي قد تنتج عن محاولة تدميره خاصة وان إيران ليست دولة معزولة ولا تملك خيارات محدودة للرد وهي لديها قدرات صاروخية واسعة وشبكة من الحلفاء والنفوذ الإقليمي القادر على فتح جبهات متعددة من الخليج إلى المشرق العربي وهو ما يجعل أي ضربة كبرى ضد منشأة استراتيجية مثل جبل الفأس خطوة تحمل احتمالات توسع المواجهة إلى حرب إقليمية لا يمكن التحكم بمساراتها بسهولة .
بسبب المخاوف الامريكية والتقديرات العسكرية يبقى الخيار الدبلوماسي أكثر عقلانية ومنطقية من الاستمرار في دوامة الضربات والردود سيما بعد إعلان إيران استعدادها للعودة إلى طاولة المفاوضات وهو ما يمثل فرصة سياسية لا ينبغي إهدارها لأن الهدف الحقيقي ليس تدمير الجبال والمنشآت والبنى التحتية والحيوية فقط بل الوصول إلى اتفاق يضمن الرقابة والشفافية ويمنع تحول الملف النووي إلى شرارة حرب مفتوحة تحرق المنطقة .
الولايات المتحدة قد تستطيع عمليا توجيه ضربات قاسية ومؤلمة لكنها لن تستطيع بالقصف وحده تغيير طبيعة إيران أو إسقاط دولة تمتلك تاريخاً وحجماً وقدرات عسكرية وجغرافية صلبة وشبكة مصالح واسعة في المنطقة كما أن إيران تدرك هي الأخرى أن استمرار التصعيد يحمل أثماناً وكلف كبيرة عليها وعلى محيطها .
مع استمرار الصراع بين الطرفين قد يصبح جبل الفأس رمزاً للحظة تاريخية تختبر فيها القوة الامريكية حدودها أمام التحصين والهندسة والجغرافيا مع العلم بانه حتى أعنف القنابل لا تستطيع دائماً حسم المعارك التي تخفيها الجبال وربما تكون الحكمة السياسية أقوى من أي سلاح خارق للتحصينات لأن الغارات الأميركية إن حدثت لن تكون بالضرورة أكثر نجاحاً من تلك التي استهدفت فوردو ونطنز وغيرها من المواقع النووية والتي أثبتت أن تدمير المنشآت لا يعني بالضرورة إنهاء البرنامج وأن إعادة الحسابات السياسية والتفاوضية قد تكون الطريق الوحيد للخروج من مواجهة قد يدفع الجميع ثمن استمرارها الطويل .
عمليا هذا الجبل الصامت تحت صخور إيران قد لا يكون فقط مخبأً للمنشآت النووية بل قد يكون أيضاً اختباراً لقدرة العالم على اختيار طريق الحرب أو طريق التسوية قبل أن تصبح الضربة القادمة بداية لصراع أكبر من قدرة الجميع على احتوائه. الملاحظ ان خطورة جبل الفأس لا تكمن فقط في احتمال وجود منشآت أو معدات نووية داخله بل في أنه يمثل تحولاً في فلسفة إيران الدفاعية والنووية من سياسة الاعتماد على المنشآت التقليدية الظاهرة إلى بناء قدرة استراتيجية موزعة ومحصنة تستطيع الصمود أمام الضربة الأولى وطهران تعلمت من تجارب السنوات الماضية أن المنشآت المكشوفة تصبح أهدافاً سهلة في أي مواجهة عسكرية ولهذا اتجهت إلى نقل أجزاء حساسة من بنيتها النووية إلى أعماق الجبال حيث تصبح المعركة بين القنبلة والصخرة وبين القوة الجوية والهندسة العسكرية وليس بين الطائرات والأهداف المكشوفة وهذا ما يجعل جبل الفأس مشروع ردع أكثر منه مجرد منشأة نووية الأكثر أهمية في مواجهة التحديات الامريكية الراهنة أن هذا الجبل أصبح ورقة تفاوضية قبل أن يكون هدفاً عسكرياً وإيران تدرك أن وجود منشأة بهذا الحجم والغموض يمنحها مساحة للمناورة السياسية بينما تدرك واشنطن أن بقاء الموقع خارج الرقابة الدولية يمثل ثغرة في أي اتفاق نووي مستقبلي ولذلك فإن الطريق الأكثر واقعية لا يمر عبر محاولة تفجير جبل كامل وإنما عبر اتفاق جديد يضمن التفتيش والشفافية والقيود الحقيقية على الأنشطة الحساسة مقابل ضمانات سياسية واقتصادية لطهران لأن إنهاء الغموض حول جبل الفأس سيكون أكثر فاعلية من محاولة دفنه تحت آلاف الأطنان من المتفجرات إذا قررت الولايات المتحدة توجيه ضربة إلى هذا الجبل فإنها قد تكرر عجز تجربة فوردو ونطنز وغيرها من المواقع التي تعرضت للقصف ولم تؤد الضربات عليها إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني بل بقيت واشنطن بعد كل جولة تعود إلى البحث عن أهداف جديدة وإعادة تقييم نتائج عملياتها العسكرية.
ختاما : إن الفرصة الذهبية التي يجب استثمارها اليوم من قبل ترامب ليست في اختيار نوع القنبلة القادرة على اختراق الجبل بل في اختيار المسار السياسي القادر على اختراق جدار عدم الثقة بين الطرفين لان قبول إيران بالعودة إلى المفاوضات يمثل نافذة لا ينبغي إغلاقها بالحرب الجوية التي مهما بلغت قوتها لن تحقق بالضرورة إسقاط إيران أو تغيير واقعها الاستراتيجي بل قد تدفعها إلى استخدام كل أوراقها الإقليمية وإلحاق أضرار مؤلمة بحلفاء الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة قبل أن يتحول الجبل الصامت تحت الأرض إلى شرارة مواجهة مدمرة لا يعرف أحد أين تنتهي. كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |