رشاوى بلاتر وشركات إنفانتينو .. ​إمبراطورية "فيفا" على المحك!


رم -

بقلم: د. ماجد عسيلة
تعيش كرة القدم العالمية لحظة انقسام تاريخية وغير مسبوقة، حيث لم تعد الصدمات تأتي من كواليس المحاكم ومداهمات الشرطة للفنادق الفخمة، بل من المنصات الرسمية لمقر الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).
القنبلة التي فجرها الاتحاد الأوروبي للعبة (اليويفا) بإجماع أعضائه مقاطعة كأس العالم والمسابقات الدولية ردا على خطة جياني إنفانتينو لتأسيس شركة "FIFA Forward Enterprise" وبيع 20% من ملكيتها لمستثمرين وصناديق استثمارية خاصة، تمثل إعلان حرب صريح لحماية الرياضة الأكثر شعبية في التاريخ من التصفية والبيع.
إن المقترح الذي يقوده إنفانتينو والذي يستهدف ضخ 20 مليار دولار عبر إدخال القطاع الخاص كشريك في كأس العالم، ليس مجرد تطوير لنموذج الأعمال كما يحاول الفيفا تسويقه، بل هو في جوهره عملية تسليع كاملة للعبة، وتحويل لمنظمة رياضية يفترض أنها غير ربحية إلى إمبراطورية تجارية تدار بآليات الرأسمالية، حيث تقاس القيمة الرياضية بحجم أرباح حملة الأسهم وصناديق الاستثمار.
​وعند مقارنة هذا التوجه بحقبة سيب بلاتر، نجد أنه من حيث طبيعة الفساد؛ في عهد بلاتر كان الفساد سلوكا إجراميا فرديا أو جماعيا يعاقب عليه القانون (سواء بالتزوير أو غسيل الأموال)، وكانت الهيكلية القانونية للفيفا تحاربه ظاهريا، أما في عهد إنفانتينو فقد تحول المنطق إلى "الفساد المؤسسي المشرعن"، فلم يعد المسؤول بحاجة لخرق القانون للحصول على النفوذ والمال مقابل الاصويت، بل يعيد تشكيل القوانين واللوائح نفسها لتمرير صفقات تسلب اللعبة ملكيتها العامة.
​ويظهر هذا التحول بوضوح في آلية شراء الأصوات، حيث كان بلاتر يتهم بتوزيع المنح والبطولات بطرق غير مباشرة لشراء أصوات الجمعية العمومية، واليوم يمارس إنفانتينو السلوك ذاته ولكن بجرأة غير مسبوقة وبشكل علني عبر الجمعية العمومية؛ حيث ربط الموافقة على الخطة الاستثمارية بمنح 40 مليون دولار لكل اتحاد وطني.. إنها عملية شراء إرادة سياسية وتثبيت للسلطة مغلفة بشعار "دعم وتطوير الاتحادات النامية".
​أما الفرق الأخطر فيكمن في المساس بالأصل الرياضي؛ فحتى في أسوأ أيام بلاتر بقيت ملكية كأس العالم وهيمنة الفيفا التنظيمية خطا أحمر لم يجرؤ أحد على مساسه، وكان الفساد يدور حول العوائد والنفوذ، لا حول خصخصة البطولة نفسها، وبالتالي فإن خطورة إنفانتينو تكمن في أنه يقدم أصول اللعبة التاريخية وقواعدها لقمة سائغة لرأس المال الأجنبي والشركات التي ستطالب حتما بتعديل قوانين اللعبة وزيادة عدد المباريات لخدمة عوائدها الاستثمارية.
​ينطلق موقف اليويفا الحاسم بمسانده 55 اتحادا قارية من إدراك عميق بأن الخضوع لمشروع إنفانتينو يعني القضاء على القيمة الفنية والأخلاقية للعبة، فمقاطعة أوروبا لا تعني مجرد غياب منتخبات بحجم إسبانيا وألمانيا وفرنسا وإنجلترا، بل تعني تجريد كأس العالم من قيمته الكروية والتجارية وتحويله إلى مسابقة هزيلة تفقد مشروعيتها التاريخية.
يقف الفيفا اليوم عند مفترق طرق حاسم بين التراجع عن تحويل الرياضة إلى مزاد علني للمستثمرين، أو المضي قدما نحو انقسام قد ينهي حقبته كحاكم مطلق لكرة القدم ويدفع نحو تشكيل نظام كروي عالمي جديد يعيد للعبة قيمتها وروحها الأصيلة.



عدد المشاهدات : (4272)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :