التسرّع و الحكمة


رم -

د. راشد الشاشاني
T.s.s.s.2

التسرّع ليس نقيضا للهدوء أو " الحكمة " إنّه تراكم لمجموعة من حالات الهدوء ، إما ان يكون هذا التراكم بفعل القوة ، وإمّا ان يكون بفعل الصبر ، لكنه في الثانية لا يكون للأقوياء إنّه للضعفاء فقط ، الصبر بمعناه التقليدي " غير المرتبط بتربّص الفرصة" لا يعني سوى الضعف .

في حالة القوّة لا يكون المتسرّع ظالماً أو مؤذياً ، بينما يكون كذلك في حالة الصبر التي أشرنا إليها ، وهي التي تنتمي إليها فئة التربّص بالغدر وانتهاز فرصة الإنقلاب .

ونحن نقرّر ذلك ؛ علينا ان نقلّب بعض الصور التي يكون فيها المتسرّع بريئا قويّا ، ربّما يندم بعد ذلك ، لكن التسرع قرار محتوم ، كان هذا القويّ متردّدا في اتّخاذه ؛ فيما لو بقيت فرصة التقليب سانحة ، لكنّها الدنيا ترى في كلّ شيءٍ مرحلة ، وتتولّى مع ذلك سلوك أبنائها ؛ لهذا تتدخّل في لحظة كهذه ل؛ فتُعفي هذا المتسرّع من متاعب قراره ، في ذات الصوب علينا القبول بأنّ تغييرا حتميّاً في مسار حياته لابدّ وأنّه بدأ ، لكنّ حالة " حسم مجموع حالات الهدوء " هذه كانت نتيجة دراسته السابقة للقرار ، وما تسرّعه إلا عمليّة تنفيذيّة لما سارت نحوه أعماق النفس .

هذه الجهة من التسرّع تقتضي حتما ولزوماً جهة أخرى لشخصٍ أو اكثر ، حتّى ولو لم يظهر هذا بوضوح ، بل ولو اقتصر التسرّع على شكل " ضرب حجر " لأنّه بحركته هذه ؛ يدخل عنصراً في تقديرات هؤلاء الآخرين وتسرّعهم كذلك ، بل وحكمتهم أيضاً ، هذا يعني أنّ السلوك ذاته حكيمٌ متسرّعٌ هاديءٌ ثائر ، أي أنّ فكرة التقابل بين سلوكين غير صحيحة ، إنّه ذاته ، لكنّه " تمرحل " سار على مراحل ، انتبهوا من كلمة " سار على مراحل " التي يجب أن تمرّ في خط نظريتنا عن " وحدة الزمن " هذا الاندماج هو مصنع " أليّة الفعل وجزائه " .


في صورة معاكسة ، حيث يكون المتسرّع ظالماً أو مخطئاً - إذا فرّقنا بينهما - فهو في لحظة اقتصاصٍ من ذنبٍ اقترفه سابقاً ، بمعنى : أنّ الأثر الذي أحدثه لم يكن وليد لحظته ، بل مرّ وحدث في عالم " خارج نفسه " مرّات وهو يفكر ويقلّب بهدوء رحلة التربّص ، كان يتكرّر فيها إثمه ؛ لأنّه تجاهل في كلّ مرّة رسالةً من داخله كانت تمنعه فيما يحاول تبرير فعله لنفسه ، وما لحظة التسرّع إلا حكم بتثبيت عقابه ؛ وفقاً لحالة " الإندماجأو التمازج " الذي هو مصدر قوّة الجزاء ، ومن قبل ذلك حتميّته .

هذا العقاب يكون بخسارة مباشرة ، بمعنى : ملموسة ، كأذى جسدي أو مالي ... الخ ، وأخرى أكثر إيلاماً ، وهي : الخسارة غير الملموسة لغيره " الملموسة له " وهي سيطرة الذاكرة ، التي تجمع وتعيد له جميع رسائله التي تجاهلها باستمرارٍ ، في الصَحو والنّومِ و الحركة و السكون ، فيزداد الألم حين يتأكّد أنّه صانعه .

أمّا في الجهة المقابلة " المظلوم " فقد حاز قوّة إشارات داخل " الظالم " منذ لحظة التفكير الأولى ، لا من لحظة التسرّع ، وهو لهذا يحوز " عناصر " ، " جنود " ، " قوّة " أو " مُلك " الظالم في يده ؛ إذاً ؛ فالتسرّع ليس سوى إعلان نهاية هذا المشهد .

في الصورة الأولى : تكون الثورة ، فالثورة لا يقودها جبان أو متردّد ، ولا كاذبٌ أو ظالم .

وفي الثانية : يكون القصاص من مخادع ، تظاهر بعكس ما يُبطن .



عدد المشاهدات : (3898)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :