رم - فارس كرامة
الكرك لا تنجب رجالا عاديين، تنجب شخصيات تعرف كيف تقود، وكيف تصنع حضورها بهدوء، ومن بين رجالاتها برز عاطف يوسف الطراونة، المهندس الذي دخل البرلمان نائبا، ثم أصبح واحدا من أكثر رؤساء مجلس النواب بقاء على كرسي الرئاسة، بعدما صنع لنفسه مدرسة قائمة على الحوار، وإدارة الاختلاف، والإيمان بأن قوة الدولة تبدأ من قوة مؤسساتها.
ليس من السهل أن تحجز لنفسك مكانا في ذاكرة البرلمان الأردني، فالمقاعد تتغير، والوجوه تتبدل، لكن القليل فقط من يترك أثرا يبقى بعد انتهاء الدورة النيابية، وعاطف الطراونة واحد من أولئك الذين لم يكن حضورهم مرتبطا بمنصب، بل بتجربة سياسية طويلة صنعتها سنوات من العمل تحت القبة، حتى أصبح اسمه مرادفا لمرحلة كاملة من تاريخ مجلس النواب الأردني.
ولد عاطف الطراونة عام 1954 في الخالدية بمحافظة الكرك، وحمل منذ بداياته روح الجنوب الأردني، بما فيها من صلابة، ووضوح، واعتزاز بالهوية الوطنية، درس الهندسة المدنية في اليونان، وعاد إلى الأردن بعد تجربة مهنية في المملكة العربية السعودية، ليعمل في قطاع الهندسة والإدارة، متنقلا بين عدد من البلديات والمؤسسات، قبل أن يخوض غمار العمل العام.
لم يكن دخوله الحياة السياسية وليد الصدفة، بل جاء بعد خبرة إدارية ومهنية واسعة، مكنته من فهم احتياجات الدولة وآليات عملها، وعندما انتخب نائبا لأول مرة عام 2003، بدأ رحلة برلمانية استمرت عبر المجالس الرابع عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، والسابع عشر، والثامن عشر، في واحدة من أطول المسيرات النيابية المتواصلة في الأردن.
لكن المحطة الأبرز كانت رئاسة مجلس النواب، حيث انتخب رئيسا للمجلس أربع مرات، وقاد السلطة التشريعية خلال مراحل سياسية مفصلية، ليصبح من أكثر الشخصيات التي جلست على كرسي رئاسة المجلس في تاريخ الحياة البرلمانية الأردنية.
تميز الطراونة بأسلوب مختلف في إدارة البرلمان، فلم يكن رئيسا يكتفي بإدارة الجلسات، بل كان يدير التوازنات، ويبحث عن مساحات الاتفاق، ويؤمن أن الحوار هو الطريق الأقصر لبناء التوافق الوطني، امتلك شخصية هادئة، لكنها حاسمة عند الحاجة، واستطاع أن يحافظ على هيبة المجلس في أصعب الظروف السياسية.
ومن أبرز ما يميز تجربته أنه كان أول رئيس لمجلس النواب يصل إلى هذا الموقع دون أن يكون قد شغل سابقا منصب وزير أو رئيس وزراء، وهو ما عكس ثقة زملائه النواب بقدرته على قيادة المؤسسة التشريعية اعتمادا على تجربته البرلمانية وحدها.
عرف عنه إيمانه بالإصلاح السياسي والتشريعي، وكان من الداعمين لتطوير الحياة البرلمانية، والمشاركة في إقرار قوانين شكلت محطات مهمة في مسيرة الإصلاح، كما لعب دورا بارزا في تقريب وجهات النظر داخل المجلس، وإدارة ملفات شائكة بهدوء ومسؤولية.
وعلى المستوى الوطني والقومي، بقيت مواقفه ثابتة تجاه القضية الفلسطينية، فكان يؤكد في كل المحافل أن القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، وأن حقوق الشعب الفلسطيني لا تقبل المساومة، كما رفض المشاركة في أي مؤتمر يضم أعضاء من الكنيست الإسرائيلي، ووقف ضد إغلاق الحدود أمام اللاجئين السوريين، انطلاقا من قناعات إنسانية ووطنية راسخة.
وإلى جانب العمل السياسي، كان للطراونة حضور في القطاع الاقتصادي والاجتماعي، كما تولى رئاسة نادي ذات راس، ورئاسة جمعية العون للطالب الفقير، وشارك في العديد من المبادرات الخيرية والتنموية، مؤمنا بأن خدمة الوطن لا تقتصر على السياسة، بل تمتد إلى كل ميدان يخدم الإنسان الأردني.
ما يميز عاطف الطراونة أيضا، أنه لم يكن من السياسيين الذين يرفعون أصواتهم بحثا عن الحضور، بل كان يؤمن أن الإنجاز هو أفضل خطاب، وأن احترام المؤسسات يبدأ باحترام أدوارها، لذلك حافظ على صورة رجل الدولة الهادئ، الذي يفضل العمل على الضجيج، والنتائج على الشعارات.
قد تختلف الآراء حول بعض المواقف السياسية، وهذا أمر طبيعي في الحياة العامة، لكن ما يصعب إنكاره أن عاطف الطراونة ترك بصمة واضحة في تاريخ البرلمان الأردني، وأسهم في ترسيخ مكانة المؤسسة التشريعية خلال سنوات حملت الكثير من التحديات.
عاطف الطراونة، اسم ارتبط بهيبة مجلس النواب، وبفكرة أن القيادة ليست صخبا، بل مسؤولية، وأن العمل البرلماني الناجح لا يقاس بعدد الخطب، بل بقدرة صاحبه على إدارة الدولة بعقل، والحوار بحكمة، والوطن بإخلاص.