لم تنتهِ المباراة بعد بدت الصالة التي اجتمع فيها أفراد الأسرة امتدادًا للملعب الذي احتضن إحدى مباريات كأس العالم 2026، وكأنها مدرج آخر من مدرجاته. لم تختلف عن آلاف الصالات والمقاهي والأرصفة حول العالم؛ شاشات مضيئة، ووجوه مشدودة، وموضوع واحد يشغل ملايين البشر: من سيفوز بالكأس؟ كان الحماس يملأ المكان. ترتفع الهتافات إذا أحسن لاعب تمرير الكرة، وتنطلق الشتائم إذا التقطها حارس الفريق المقابل وأجهض محاولة تسجيل هدف. وما إن تهتز الشباك حتى يقف الجميع دفعة واحدة، فينفجر المكان بدويٍّ يشبه هدير المدرجات.
صراخٌ تعددت أسبابه؛ هذا يهتف فرحًا، وذاك يحتج على الحكم، وثالث يعض أصابعه غيظًا. كنا خليطًا من فتيان وفتيات وأطفال... إن جاز لي أن أسميهم كذلك. فقد تجاوز بعض أولئك "الفتيان" الستين، وتدلت أمامهم كروش مستديرة ومفلطحة، ومضت عقود منذ أن لاحق أكثرهم كرةً في ملعب. ملتُ نحو جاري وسألته: ــ هل كنت تلعب الكرة من قبل؟ اعتدل في جلسته، وربت على كرشه في شيء من الزهو، وقال: ــ نعم، كنت ألعب في خط الدفاع.
ابتسمت وأنا أتأمله. لم يكن وحده من ترك الملاعب، بل بدا أن المدينة كلها فعلت ذلك. بعد أن ضاقت الحارات بسكانها، واختفت الساحات العامة، وارتفعت المباني في وجه الريح، انقطعت أنفاس المدينة؛ فسقطت الطائرات الورقية من سمائها، وصمتت ملاعب الأحياء، ولم يبقَ للأطفال إلا مطاردة كرةٍ تتدحرج بين السيارات. منذ غادرنا المدارس، كان آخر عهد كثيرٍ منا باللعب كآخر عهده بالكتب. على الشاشة كانت مباراة البرازيل والنرويج تبلغ ذروة إثارتها. انطلق نيمار في هجمة مرتدة، فارتفع الصخب في الصالة. ــ هيّا... مررها! ــ ارمِها! ــ تحرّك! وفي اللحظة التي همَّ فيها بالتسديد، اندفع لاعب لم نتبين وجهه، وخطف الكرة منه، ثم أطلقها بقوة. انطلقت الكرة كالصاروخ... لكنها لم تستقر في الشباك. خرجت من الشاشة. وجدتُها بين يدي وأنا ما أزال جالسًا في مقعدي. رفعت رأسي مذهولًا... فإذا بي أقف بين زملائي في الصف السادس الابتدائي، داخل الساحة المدرسية، فيما كنا نوزع مواقعنا على أرض الملعب. كنت ألعب مع فريق "الشياطين الحمر"، كما كنا نسميه.
أطلق الحكم صافرته فانطلقنا جميعًا في وقت واحد. ارتطمت الكرة بالتراب الجاف، وقفزت غيمة صغيرة من الغبار. كنا نرتدي قمصاننا الحمراء، ونركض في ساحةٍ تحرسها حقائبنا المدرسية الملقاة خلف المرمى، كالمدرجات. ناولتُ أحمد، فسبقني بخطوتين ثم أعادها إليّ قبل أن يقطعها زيد، وكانت أنفاسنا المتلاحقة أعلى من صيحات المتفرجين.
تلقى باسل الكرة بصدره، وحتى قبل أن تلامس الأرض، رفعها بمقدمة قدمه، داعبها بركبته بخفة، ثم بحركة مفاجئة قذف بها من فوق رأسه باتجاه المرمى. أربكت هذه المناورة حارس الخصم الذي تجمّد في مكانه مستسلمًا، لتهتز الشباك المتهالكة بهدفنا الأول.
ركضنا جميعًا نحو باسل وهو يركض باتجاهنا رافعًا يديه في الهواء بزهو كأنه "بيليه" في أيامه الخوالي، غارقين في ضحكاتنا ونحن نقلد حركات المشاهير ونبتكر حركاتنا الخاصة التي تصيغها فتوة أجسادنا ومرونتها. لم يدم هدوء الساحة طويلاً؛ إذ رمى زيد من الفريق الثاني كرة طويلة، دفعتها الريح خارج الملعب. ركضتُ خلفها مسرعًا، وبقفزة مرنة طرت فوق قرية للنمل كانت تخرج في صفوف منتظمة كالجند يحملون القش والحب، بينما حامت حولي فراشة قطعت طريقي فابتسمتُ لها مودعًا دون أن أكسر إيقاع ركضتي. عند حافة الساحة، رفعتُ الكرة فوق رأسي ورميتها رمية تماس باتجاه باسل، الذي سار بها ممررًا إياها بينه وبين أحمد، حتى إذا سددها أخيرًا، صدها الحارس ليعلن الحكم ضربة ركنية (كورنر) لصالح "الشياطين الحمر".
تقدم أحمد لينفذ ضربته الدورانية الشهيرة بظاهر قدمه، لكنها دارت بعيدًا في الاتجاه المضاد. لم نبتئس، بل استخلصتُ الكرة مجددًا وبدأتُ هجمة مرتدة سريعة باتجاه مرمى الخصم. تقدمتُ بثقة، وحين اقتربتُ من منطقة العمليات، مررتها بباطن القدم زاحفة نحو أحمد الذي سددها بقوة، لكن زيد اندفع ليقطعها بيده داخل المنطقة. تعالت الصفارة الحادة: ضربة جزاء! حبس الجميع أنفاسهم. وقف أحمد مستعدًا، سدد الكرة بقوة لتطير وتصيب الركن الأيمن العلوي من الشباك. قفزتُ صارخًا بكل ما أوتيتُ من قوة: — غوووول! وحين فتحتُ عينيّ... وجدتُ نفسي واقفًا وسط الصالة، وذراعاي ما زالتا مرفوعتين في الهواء.
لم يكن أحمد قد سجل هدفًا، ولم نكن في ذلك الملعب الترابي؛ بل كان "هولاند" قد سجل للتو الهدف الثاني في مرمى البرازيل على شاشة التلفاز، وكان الجميع في الصالة ينظر إليّ بدهشة. تحركت شفاه بعضهم بكلمات لم أتبينها. في اليوم التالي، وبينما كنت أغادر المسجد بعد الصلاة، سمعت شيخين يتجادلان. ــ كان هولاند يندفع كالبلدوزر، لا يرحم أحدًا. ــ لكنه ليس نيمار... هدف نيمار كان الأجمل. ثم مضيا يتوكآن على عصييهما، وفي خطوهما همة صبيين، كأن المباراة لم تنتهِ بعد.
سعيد ذياب سليم
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |