من بناء الدولة إلى إدارة الدين هل فقدت الحكومات فلسفة الإنجاز؟


رم - الدكتور: محمد فرج

لم يكن الأردن يوما دولة تقاس قوتها بحجم مواردها، بل بقدرتها على إدارة التحديات وتحويل الأزمات إلى فرص للبناء. فمنذ تأسيس الدولة، مرت المملكة بظروف سياسية واقتصادية وأمنية قاسية، من الحروب العربية الإسرائيلية، وخسارة الضفة الغربية عام 1967 وما تبعها من أعباء إنسانية واقتصادية، إلى معركة الكرامة التي أعادت تثبيت قدرة الدولة والجيش العربي ، ثم أحداث أيلول 1970، مرورا بالحرب الأهلية اللبنانية والحرب العراقية الإيرانية وأزمة عام 1989 وحرب الخليج.

ورغم كل ذلك، كانت الدولة الأردنية بقيادتها الهاشمية تمضي في مسارين متوازيين، مواجهة الأزمات، وبناء المؤسسات. كانت المدارس تبنى، والجامعات تنشأ، والمستشفيات والطرق تمتد، رغم محدودية الإمكانات وصعوبة المرحلة.

أما اليوم، فقد تغير السؤال ليصبح ، ماذا اقترضت وكيف ستدير الدين؟ وهنا تكمن الإشكالية.

لا أحد ينكر أن الحكومات الأخيرة واجهت ظروفا استثنائية ، اللجوء من العراق وسوريا ، جائحة كورونا، ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات المنطقة التي لم تتوقف. لكن في المقابل، من حق المواطن أن يسأل ، إذا ارتفع الدين العام، فأين انعكاس ذلك على التنمية؟ أين المشاريع الإنتاجية الكبرى؟ وأين فرص العمل التي يشعر بها الشباب؟

فالقضية ليست في الاقتراض بحد ذاته، فالدول تقترض، لكن السؤال الأهم، هل يتحول الدين إلى استثمار يصنع المستقبل، أم يصبح مجرد أداة لإدارة الالتزامات اليومية؟

لقد منح جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين الحكومات خلال السنوات الأخيرة مساحة أكبر من الوقت لتنفيذ برامجها، وكانت كتب التكليف السامي واضحة في تحديد الأولويات ، اقتصاد أقوى، استثمار أكثر، فرص عمل، خدمات أفضل، شفافية، ومحاسبة.

لكن التحدي لم يكن يوما في كتابة الخطط، بل في تحويلها إلى واقع يلمسه المواطن. فالناس لا تقيس نجاح الحكومات بعدد الاستراتيجيات والهيكلات، بل بمستوى معيشتها، وفرص أبنائها، وكفاءة مؤسساتها.

وهنا تظهر قضية لا تقل أهمية عن المال كيفية إدارة الإنسان.

فالمال وحده لا يبني دولة إذا لم تكن هناك كفاءات تديره. وأحد أكبر التحديات التي يجب الاعتراف بها هو شعور كثير من المواطنين بأن بعض المواقع لم تمنح دائما وفق معيار الكفاءة والخبرة، وأن الواسطة والمحسوبية أضعفتا ثقة البعض بعدالة الفرص.

حين يهمش صاحب الخبرة، ويتقدم من لا يملك أدوات الموقع إلا بحكم العلاقات، فإن الخسارة لا تكون خسارة فرد، بل خسارة مؤسسة كاملة. وهذا ما دفع كثيرا من الكفاءات الأردنية إلى الهجرة والبحث عن فرص في الخارج، حيث نجح معظمهم هناك، وتبوأ مواقع قيادية في مؤسسات معروفة، بل وساهم في تطور الاقتصادات التي احتضنته. والمفارقة أن الكفاءة نفسها التي لم تجد مكانها في بلدها، أصبحت رافدا لنهضة بلد آخر، بينما بقي الأردن يخسر مرتين، مرة حين همش الكفاءات، ومرة حين استفاد منها غيره.

وقد أكد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين في أكثر من مناسبة ضرورة تحديث القطاع العام، وترسيخ مبدأ وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، باعتباره أساسا لتطوير الأداء وتحسين الخدمات. لكن التحدي الحقيقي يبقى في التطبيق، فالإصلاح الإداري لا يكتمل بتغيير الهياكل والمسميات فقط، بل بتمكين أصحاب الاختصاص والخبرة، وربط المواقع بالكفاءة والإنجاز لا بأي اعتبارات أخرى.

ومن هنا تأتي أهمية القرارات الأخيرة المتعلقة بالمحاسبة، ومنها إقالة وزير العمل على خلفية قضية تضارب المصالح، فهي خطوة تفتح سؤالا أكبر، هل نحن أمام مرحلة جديدة يكون فيها معيار البقاء هو الأداء فقط؟

لا يمكن إنكار أن دولة رئيس الوزراء يعمل في ظرف بالغ التعقيد، وسط أزمات اقتصادية وإقليمية وضغوط فرضتها الأحداث الأخيرة، ومنها تداعيات المواجهة الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية، لكن صعوبة المرحلة لا تمنع مراجعة الأخطاء، بل تجعل التصحيح أكثر ضرورة.

ومحاربة الفساد لا يجب أن تبقى مرتبطة فقط برد الفعل بعد ظهور القضية، بل يجب أن تتحول إلى نهج وقائي دائم.

ومن الأفكار التي تستحق التفكير، فتح نافذة مباشرة ومنظمة بين رئاسة الوزراء والمواطنين والموظفين، ولو لساعتين أسبوعيا، لمن يمتلك وثائق وأدلة حقيقية حول تجاوزات أو سوء إدارة، بعيدا عن الشائعات وتصفية الحسابات. فالفساد لا يكتشف دائما من المكاتب العليا، بل قد يراه الموظف البسيط قبل الجميع.

الأردن لا يحتاج اليوم إلى الحنين للماضي، لكنه يحتاج إلى استعادة سر نجاح ذلك الماضي، اختيار الكفاءة، احترام المال العام، وضوح القرار، وربط المسؤول بالنتيجة. فالمرحلة القادمة لا تحتمل إدارة يوم بيوم، بل تحتاج إلى إدارة تصنع المستقبل.

التاريخ لا يتذكر كم اقترضت الحكومات، بل يتذكر ماذا بنت، ومن اختارت، وكيف حافظت على ثقة الناس.

فالحكومات لا تخلد بالمناصب بل بالأثر الذي تتركه.



عدد المشاهدات : (4052)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :