إقالة الوزير البكار لا تكفي .. فالدول تُبنى بالمحاسبة لا بتبديل الوجوه !


رم -

د . مهدي مبارك عبد الله


للحقيقة والمصداقية ان ما جري في هذه القضية يتجاوز جوهره الأشخاص من وزراء او مسؤولين كبار إلى سؤال أكبر يتعلق بطريقة إدارة الدولة وحدود المحاسبة ومعنى أن تكون الوظيفة العامة مسؤولية وامانة لا امتيازاً مؤقتاً او فرصة سانحة للتكسب غير المشرع والقضية في اعماقها ليست معنية بوزير يغادر موقعه بل في منظومة كان يجب أن تثبت أنها قادرة على منع التجاوزات والأخطاء والتنمر على الوظيفة العامة قبل وقوعها وليس الاكتفاء بمعالجتها بعد أن اصبحت خبراً شائعا وسجالاً عاماً .

 

قرار رئيس الحكومة الدكتور جعفر حسان بإقالة وزير العمل خالد البكار على خلفية ما أُعلن عنه رسميا من حيث تضارب المصالح ومخالفة مدونة السلوك يمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح تستحق التقدير وتحسب للحكومة لأنها كسرت ولو جزئياً ثقافة الصمت والتردد التي رافقت ملفات كثيرة في الماضي كما بعثت رسالة قوية تجسد هيبة الدولة ومبدأ احترام قواعد النزاهة كما أكدت بأن المنصب العام لا يشكل حصانة لأحد وأن قواعد النزاهة ليست مجرد نصوص شكلية وبروتوكلية بل التزاماً ادبيا واخلاقيا واجب التطبيق وهذا التوجه بحد ذاته يعكس وجود إرادة سياسية صادقة في التعامل مع هذا النوع من الملفات الخطيرة بكل اهتمام وحزم .

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا بقوة هل تكفي الإقالة وحدها خاصة وان الدول الحديثة بالمفهوم السياسي والاداري العام لا تُبنى بتبديل الوجوه بل بتأسيس قواعد صارمة لمنظومة متكاملة للمحاسبة والمساءلة تمنع تكرار الخلل فضلا عن تفعل أدوات الرقابة وضمان أن أي ملف عام لن يُغلق إلا بعد اكتمال التحقيقات المطلوبة وكشف الحقائق وان الإقالة تبقى إجراء سياسي وإداري أما المحاسبة فهي مسار قانوني ورقابي أعمق ولا يجوز أن تتوقف عند حدود المنصب او صاحبه لان الاستقالة في النتيجة تعفي من المنصب لكنها لا تسقط المحاسبة وحين تصبح الاستقالة نهاية الملف يخسر الوطن مرتين .

 

في هذا السياق من حق الرأي العام الاردني أن يطرح الأسئلة المشروعة والمهمة مهما كانت نتائج التحقيقات والإجراءات اللاحقة ويجب عدم القفز فوقها والتي تفيد بان المعلومات المتداولة حول عطاءات ابن الوزير البكار كانت معروفة ومتداولة في أوساط المواطنين والمهتمين بالشأن العام منذ فترة طويلة وإن الحديث عنها قد سبق القرار الحكومي بوقت ليس بالقصير فأين كانت منظومة المتابعة والرقابة طوال تلك المدة وهل كانت الجهات المختصة على علم بما يُثار وهل تحققت منه أم أن الأمر لم يصل إليها إلا متأخراً مع العلم إن الإجابة الصريحة على هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن القرار نفسه لأنها تمس كفاءة مؤسسات الدولة حول تعزيز مبدأ الشفافية ودفع العمل الرسمي نحو تحسين الأداء المؤسسي والقدرة على الاكتشاف المبكر لخلايا الفساد ومنع تضارب المصالح قبل أن يتحول الامر إلى قضية رأي عام .

 

الدولة القوية والحكومة الواثقة لا يقتصر دورهما على إدارة الأزمة بعد وقوعها ولا تنتظر تفجر الأزمات حتى تصبح القضية حديث الشارع ووسائل الإعلام ثم تبدأ بالتحرك بل بما تمتلك من أدوات استباقية جاهزة للرقابة والإنذار المبكر ومن هنا فإن تقييم هذه الواقعة يجب ألا يقتصر على السلوك الفردي لوزير بل لا بد ان يمتد إلى مراجعة شاملة لمنظومة الرقابية وآليات الإفصاح ومنع تضارب المصالح لأن نجاحها الحقيقي يقاس بقدرتها على الوقاية لا بردود الفعل وكذلك على منع الخطأ لا الاكتفاء بمعالجته بعد وقوعه لقد تعب الأردنيون كثيرا من سماع التصريحات والشعارات الجميلة حول أبجديات وقيم النزاهة والشفافية والحوكمة وتكافؤ الفرص وان الوطن للجميع والتي لم تتحول يوما إلى سياسات عملية والاستمرار في النهج دون الاخذ بعين الاعتبار ان هذه المبادئ لا تُقاس بالخطب والبيانات وإنما يعيشها المواطن حقيقة عندما يشعر كل شاب أردني بأن فرصة العمل أو العطاء أو المنافسة لا يحكمها اسم العائلة ولا قربها من السلطة وتكون بعيداً عن أي تأثيرات غير موضوعية ومحسوبيات ولوبيات تخرج بين الفينة والاخرى من رحم الحكومات نفسها دون أي احترام للكفاءة وسيادة القانون والعدالة في الوصول إلى الفرص لان النفوذ السياسي المدعوم لا زال يختصر الطريق أمام البعض بينما يقطع سنوات من عمر الآخرين في الانتظار.

 

العدالة الاجتماعية لا تعني توزيع الدعم فقط وهي ليست خطاباً سياسياً وشعبويا مؤثرا بل نظاماً متكاملاً يبدأ بتكافؤ الفرص وينتهي بحماية المال العام ولا يمكن الحديث عن وطن للجميع إذا ما بقيت الشكوك قائمة حول عدالة المنافسة أو حيادية القرار الإداري ودون ان يقف ابن الوزير وابن العامل وابن المزارع وابن الجندي أمام القانون والفرصة والوظيفة والعطاء على مسافة واحدة .

 

استعادة الثقة بالحكومة لن تتحقق بالإقالة وحدها بل تحتاج إلى استكمال المشهد بإجراءات واضحة وشفافة فإذا كانت هناك شبهة تستوجب التحقيق فليُفتح التحقيق وفق القانون وإذا كانت هناك آثار مالية أو إدارية تستوجب المراجعة فلتُراجع وإذا ثبتت مسؤولية أي شخص أيّاً كان موقعه فليُحاسب أمام القضاء المختص وإذا ثبتت براءته فليُعلن ذلك للرأي العام بالوضوح نفسه فالدولة القوية لا تخشى الحقيقة بل تستمد قوتها منها في وقت احوج الى اعادة الاعتبار إلى لأدوات الرقابة القانونية والمالية كافة وتفعيل كل الآليات التي كفلها القانون لحماية المال العام ومنع تضارب المصالح والكسب غير المشروع بحيث لا تبقى هذه المبادئ عناوين موسمية تظهر عند كل أزمة ثم تغيب بعدها لإن حماية المال العام ليست شعاراً سياسياً بل هي صلب العقد الأخلاقي بين الدولة والمجتمع .

لعل أخطر ما يمكن أن تخرج به الحكومة من هذه الواقعة هو الاعتقاد بأن إقالة وزير تعني النهاية وإغلاق الملف رغم ان مسؤولية رئيسها التنفيذية والادبية الاولى تشمل ضرورة الاختيار الامثل للوزراء وكبار المسؤولين وتفعيل الرقابة وسرعة اكتشاف الخلل وحماية تكافؤ الفرص وصيانة المال العام وإذا كانت المسؤولية الفردية مبدأ لا خلاف عليه فإن المسؤولية السياسية للحكومة لا تقل أهمية لأن المواطن لا ينتخب وزيراً منفرداً بل يحاسب أداء الدولة بكل مؤسساتها وإن الحكومات الرشيدة لا تقاس فقط بسرعة إقالة وزير بل بقدرتها على منع تكرار الأسباب التي تنتج الأزمات وتتيح الخروقات لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الوقاية .

 

الأردنيين القابضين على الجمر لا ينتظرون مجرد تغيير في الأسماء واستبدال وزير بآخر بل يطالبون بتثبيت قاعدة واضحة لا استثناء فيها أن القانون هو المرجع وأن المنصب تكليف لا امتياز للمحاسيب وذوي القربى وأن المال العام محمي وأن الفرص تُمنح على أساس الكفاءة وحدها وأن الدولة تحاسب الجميع بالميزان نفسه وعندما تصبح هذه القاعدة واقعاً ملموسا لا شعارا فضفاضاً يمكن القول إن ما حدث لم يكن مجرد إقالة وزير بل هو بداية واثقة لمسار دولة أكثر صلابة في المحاسبة وأشمل عدلاً في إدارة الفرص وأكبر قدرة على حماية ثقة مواطنيها لان الاقالة قد تسقط اسما من باب وزارة لكنها لا تغيب سؤالا عن ضمير دولة ولن تغلق ملفا يمس شكوك المواطن المتواصل بمؤسسات الحكم لهذا فإن التعامل مع قضية وزير العمل البكار يجب أن لا تقرأ كنهاية أزمة بل كبداية اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على تحويل شعار النزاهة إلى ممارسة فعلية راسخة .

 

من زاوية اخرى إذا كانت الحكومة قد تحركت سريعاً فإن سرعة القرار يجب أن توازيها سرعة في كشف الحقيقة الكاملة للرأي العام دون تغطية او لملمة لأن المواطن لا يريد ان يسمع رواية مبتورة بل يريد أن يعرف ماذا حدث بالفعل وكيف حدث وهل ترتبت عليه آثار مالية أو إدارية على الدولة وما هي الإجراءات التي اتخذت لمعالجتها ومن يتحمل المسؤولية إن ثبت وجود تجاوزات فالعدالة لا تقوم على الإدانة المسبقة لكنها كذلك لا تقوم على إغلاق الملفات قبل اكتمال الحقيقة .

 

ليس دفاعا عن أحد لكن وبكل حيادية وموضوعية قضية البكار بكل بحيثياتها لا تتعلق فقط بشخص وزير ولا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة فردية لأن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك بكثير حيث تتصل مسبقا بمنظومة اختيار المسؤولين وآليات التدقيق قبل التعيين وإدارة تضارب المصالح والرقابة المستمرة على أداء أصحاب القرار ومن حق المواطن الأردني الصابر على حكوماته أن يسأل عن ظروف اكتشاف هذه المسألة ولماذا لم تُكتشف أو تُعالج قبل هذا الوقت رغم ان جميع معالمها كانت مكشوفة ومعروفة لدي كثير من المواطنيين وهل يكفي أن يتحمل الوزير وحده المسؤولية السياسية أم أن الحكومة كاملة تتحمل مسؤولية جماعية اذا كانت حقا تحترم مبدأ المساءلة ( لا نريد كبش فداء ) .

 

الأهم والمطلوب في هذه المرحلة التسريع في تغيير اليات العمل الحكومي التقليدية و المتكررة بحيث تتوقف ثقافة تدوير المسؤوليات وتبديل المناصب كلما وقع خلل وكأن المشكلة في الأشخاص وحدهم رغم ان الأردن لا يعاني نقصاً في الكفاءات بل يزخر بعقول وخبرات وشخصيات وطنية مشهود لها بالنزاهة والكفاءة ومن الظلم للوطن قبل الأفراد أن تضيق دائرة الاختيار على عدة شخصيات بينما تتسع دائرة التشاؤم والإحباط بين الشباب وفي الانظمة العريقة والديمقراطيات الفاعلة لا تُقاس الادارة الحصيفة والرشيدة فقط بقدرة الحكومة على إقالة وزير بل بقدرتها على مراجعة مسارها وتحمل المسؤولية السياسية عن حسن الاختيار وتصحيح الخلل قبل أن يتحول إلى أزمة رأي عام لان المساءلة ليست مجرد ايقاع عقوبة وإنما في بناء ثقافة حكم خصوصا وان الشفافية ليست ترفاً إعلامياً وإنما شرط من شروط بقاء الثقة بين الدولة والمواطن .

الثقة بالحكومة لن تستعاد لأن وزيراً غادر منصبه بسبب تجاوزات كبيرة وهنالك منظومة ادارية وتنفيذية كاملة تتراجع وأخطاءها تتكرر وتصرفات يسكت عنها وحقائق تخفى خاصة وان هذه القضية ليست اختباراً لوزير بل اختبار لحكومة قائمة تقف اليوم أمام فرصة نادرة لتحويل هذه الواقعة إلى نقطة تحول في الحياة العامة وإذا ما اكتفت بالإقالة فستكون قد عالجت النتيجة وتركت الأسباب وأما إذا استكملت الطريق بالتحقيق الشفاف وإعلان النتائج وتطوير آليات اختيار المسؤولين وتشديد قواعد تضارب المصالح وتعزيز تكافؤ الفرص فإنها ستكون قد وضعت حجراً جديداً في بناء دولة المؤسسات والقانون التي يتطلع إليها كافة الأردنيون .

ختاما : ما ينبغي فهمه جيدا ان الأوطان لا يحميها تبديل الوجوه وإنما يحميها أن يطمئن المواطن فيها إلى أن القانون لا يعرف الأسماء وأن المنصب تكليف لا امتياز وأن المال العام أمانة لا غنيمة وأن الكفاءة وحدها هي جواز المرور إلى سدة المسؤولية وعندها فقط لن تكون هذه قضية وزير العمل مجرد خبر في صحيفة بل بداية عهد جديد تُقاس فيه هيبة الدولة بقدرتها على محاسبة الجميع بالميزان نفسه دون خوف او مجاملة او استثناء . كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]




عدد المشاهدات : (764)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :