مجالس الأمناء… الفرصة التي لا ينبغي أن تضيع


رم -

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

 

كلما طُرح تعديل على قانون الجامعات، ينصرف النقاش سريعًا إلى تفاصيل المواد القانونية، وعدد أعضاء مجلس الأمناء، وآلية اختيار رئيس الجامعة، وحدود صلاحيات كل جهة. ورغم أهمية هذه القضايا، فإنها ليست جوهر المسألة.

 

السؤال الحقيقي هو: هل نبني منظومة حوكمة جامعية جديدة، أم نعيد ترتيب الأدوات نفسها التي لم تعد قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة؟ فالجامعات اليوم لم تعد مؤسسات تمنح الشهادات فقط، بل أصبحت محركات للاقتصاد، وحاضنات للابتكار، ومراكز لإنتاج المعرفة، وشركاء في التنمية الوطنية. وإذا كانت وظيفة الجامعة قد تغيرت، فمن الطبيعي أن تتغير طريقة إدارتها، وأن تتطور فلسفة الحوكمة التي تقودها. ومن هنا، فإن تعديل أحكام مجالس الأمناء يجب أن يُنظر إليه باعتباره فرصة لإعادة تعريف دور المجلس، لا مجرد إعادة توزيع للصلاحيات.

 

لقد أثبتت التجارب أن قوة مجلس الأمناء لا تُقاس بعدد أعضائه، ولا بالألقاب التي يحملونها، وإنما بقدرته على طرح الأسئلة التي قد لا يطرحها أحد داخل الجامعة. هل تتقدم الجامعة فعلًا؟ هل تحقق مخرجاتها احتياجات الاقتصاد الوطني؟ هل تُستثمر مواردها بكفاءة؟ هل ينعكس البحث العلمي على الصناعة والإنتاج؟ وهل ما زالت برامجها تواكب التحولات المتسارعة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وسوق العمل؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع الفارق بين مجلس يجتمع ليصادق على القرارات، ومجلس يقود التغيير.

وخلال السنوات الماضية، اعتدنا نمطًا شبه ثابت في تشكيل مجالس الأمناء. شخصيات وطنية لها كل الاحترام والتقدير، لكن اختيارها كان يعتمد في كثير من الأحيان على المكانة أكثر من ارتباط خبراتها بالتحديات الفعلية التي تواجه الجامعة. ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في كفاءة أحد، بل بإعادة النظر في الفلسفة التي تحكم الاختيار. فالجامعة التي تسعى إلى بناء اقتصاد معرفي تحتاج إلى من يمتلك خبرة في اقتصاد المعرفة. والجامعة التي تريد تعظيم إيراداتها تحتاج إلى من يفهم الاستثمار والاستدامة المالية. والجامعة التي تتحدث عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تحتاج إلى من عاش هذه التجارب وقادها، لا إلى من يكتفي بمتابعتها. إن تنوع الخبرات أصبح أهم من تنوع الصفات الوظيفية.

ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي أن تضم مجالس الأمناء خبرات في الصناعة، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال، والاستثمار، والبحث والتطوير، والعلاقات الدولية، والحوكمة، وإدارة المخاطر، إلى جانب الخبرات الأكاديمية. فالجامعة لم تعد تعمل في بيئة مغلقة، بل أصبحت جزءًا من منظومة اقتصادية واجتماعية متشابكة.

ومن أهم ما يطرحه مشروع القانون تعزيز دور مجلس الأمناء في اختيار رئيس الجامعة. وهذه مسؤولية كبيرة، لكنها تفرض في المقابل مسؤولية أكبر، وهي أن يكون مجلس الأمناء نفسه نموذجًا للكفاءة والاستقلالية والشفافية. فلا يمكن أن نطالب المجلس باختيار أفضل القيادات إذا لم تكن معايير اختياره هو واضحة ومعلنة وخاضعة للمساءلة.

ولعل الوقت قد حان للانتقال من مفهوم “تعيين” أعضاء مجلس الأمناء إلى مفهوم “اختيارهم” وفق معايير وطنية معلنة، تتضمن الخبرة القيادية، والإنجاز المهني، والنزاهة، والاستقلالية، والقدرة على تخصيص الوقت، وعدم تعارض المصالح، مع إخضاع أداء المجلس لتقييم دوري يعتمد على مؤشرات واضحة، كما يحدث في كثير من الجامعات الرائدة. ولا يقل أهمية عن ذلك أن يُعاد تعريف دور المجلس نفسه. فالمجلس ليس إدارة تنفيذية، كما أنه ليس جهة احتفالية. إنه جهة حوكمة، ت راقب الأداء، وتراجع الاستراتيجية، وتقيس المخاطر، وتدعم القيادة التنفيذية دون أن تحل محلها. وعندما تختلط هذه الأدوار، تضيع المسؤوليات وتتراجع فاعلية المؤسسة. إن نجاح أي جامعة لا يعتمد على كفاءة رئيسها وحده، ولا على تميز أعضاء هيئة التدريس فقط، بل يبدأ من جودة الحوكمة التي تنظم العلاقة بين جميع الأطراف، وتضمن وضوح الصلاحيات، واستقلالية القرار، وربط الأداء بالنتائج. ولذلك، فإنني أرى أن مشروع القانون يجب أن يكون بداية لمرحلة أوسع من الإصلاح، تتضمن بناء إطار وطني لحوكمة الجامعات، يحدد بوضوح معايير تشكيل مجالس الأمناء، وآليات تقييمها، ومؤشرات أدائها، وحدود مسؤولياتها، بحيث يصبح المجلس شريكًا حقيقيًا في تطوير الجامعة، لا مجرد محطة إجرائية في دورة اتخاذ القرار.

 

فالجامعات الأردنية تمتلك الكفاءات، وتمتلك التاريخ، وتمتلك الإمكانات. وما تحتاجه اليوم هو منظومة حوكمة تواكب طموحات الدولة، وتنسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي، وتمنح الجامعات المرونة والقدرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. إن تعديل القانون خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية الطريق. فالقوانين تفتح الأبواب، أما النهضة الحقيقية فتصنعها جودة التطبيق، وحسن الاختيار، ووضوح الرؤية. وفي النهاية، سيبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مادة قانونية وكل تعديل تشريعي: أي جامعة نريد بعد عشر سنوات؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي يجب أن تحدد شكل مجلس الأمناء، لا العكس.




عدد المشاهدات : (810)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :