العميد مصطفى الحياري
تستمد الدولُ مكانتَها من قدرتها على أن تجعل القيمَ سيرةً تُقرأ في أفعالها قبل أن تُقرأ في خطاباتها، لأن التاريخ لا يخلّد كثرة الموارد بقدر ما يحتفظ بالمواقف التي تصون كرامة الإنسان ليمنح السياسة معناها الأخلاقي، فتولد المكانة الحقيقية عندما يتطابق القرار مع المبدأ، ويغدو الواجب التزامًا لا يتغير بتبدل الظروف، لتتجاوز الدولة حدود النفوذ إلى فضاء الثقة والاحترام، ويقدم الأردن هذا النموذج في مشهدين توحدا رسالةً وتزامنا زمنًا؛ لقاء "جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين" بأبناء الجالية الأردنية في الولايات المتحدة، ومشاركة فريق البحث والإنقاذ الأردني في فنزويلا، وبين المشهدين تمتد فلسفة واحدة تجعل القرب من المواطن واجبًا، ومد يد العون للإنسان مسؤولية، وتؤكد أن قيمة الدولة تُقاس بما تمنحه للحياة من معنى، قبل أن تُقاس بما تمتلكه من أدوات القوة.
يجسدُ لقاءُ "جلالة الملك" بأبناء الجالية الأردنية نهجًا هاشميًا يرسخ الثقة بوصفها أساس العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وقد اكتسب هذا الحضور الملكي دلالة وطنية أوسع مع مشاركة جلالته وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، الأردنيين مؤازرة المنتخب الوطني في كأس العالم، وتكريم جلالته لمجموعة من المؤثرين الذين قدموا صورة مشرقة عن الأردن والاردنيين، ما جسّد وحدة المشاعر الوطنية وعمق الانتماء، فالأردني في الخارج لا يقف على هامش المشهد الوطني وإنما يبقى شريكًا في مسيرة البناء، ووجهًا يعكس صورة وطنه.
تمتدُّ الفلسفةُ الأردنية خارج حدود الجغرافيا حين يصبح الإنسان غاية المبادرة، وتغدو النجدة استجابة تمليها القيم قبل أي اعتبار آخر. وفي هذا المشهد، يكشف حضور فريق البحث والإنقاذ الأردني إلى جانب الخدمات الطبية الملكية في فنزويلا، عن رؤية أردنية ترى أن الاحتراف الميداني ثمرة تراكم طويل من التدريب، والتخطيط، وبناء الكفاءات الوطنية، وأن المسؤولية الأخلاقية لا تتوقف عند حدود الوطن، فعندما تمتلك الدولة إرادة الفعل وكفاءة الإنجاز يضيف هذا الحضور بعدًا جديدًا لصورة الأردن الدولية، تلتقي فيها رعاية المواطن بخدمة الإنسان لتتحول القيم إلى سياسة، وتتحول السياسة إلى أثر، ويتحول الأثر إلى مكانة تستقر في وجدان العالم.
تعيدُ القوةُ الناعمة في عالم اليوم تعريف مكانة الدول في المشهد الدولي، فالسمعة تُبنى بما تخلقه الدولة من رصيد أخلاقي يرسخ الثقة في سياساتها ويمنحها احترامًا يتجاوز حدود المصالح الآنية، ويواصل الأردن تعزيز هذا الرصيد عبر نموذج متكامل، تجسد فيه مؤسساته الإنسانية والطبية والإغاثية الوجه العملي لرسالته في ساحات الكوارث والأزمات، ومن هذا التكامل، تغدو الثقة التي تبنيها في وعي الشعوب رصيدًا استراتيجيًا يعزز حضورها.
ختاما، تصنعُ الأحداثُ عناوينها ثم تمضي، أما النهج فيبقى المعيار الذي تُقاس به الدول عبر الزمن، لأنه يختبر قدرتها على الثبات عندما تتبدل الظروف، وعلى الحفاظ على بوصلتها عندما تتغير الأولويات. تمتلك الأمم التي تنجح في تحويل رؤيتها إلى ثقافة مؤسسية فرصةً أوسع لصناعة مستقبلها، لأن الأجيال لا ترث المواقف العابرة، وإنما ترث طريقة التفكير، وأسلوب العمل، ومنظومة المسؤولية التي تتشكل منها هوية الدولة. وعند هذه الحقيقة يرسخ الأردن أحد أهم عناصر قوته: نهجًا يتجدد مع الزمن دون أن يتخلى عن ثوابته، ليبقى المستقبل امتدادًا طبيعيًا لمسيرة تأسست على وضوح الرؤية، واتساق المسار، واستمرار الرسالة.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |