تقوم علاقة العمل في القانون الأردني على تحقيق توازن دقيق بين مصلحة صاحب العمل في تنظيم العمل وضمان حسن سيره، وبين مصلحة العامل باعتباره الطرف الأضعف في هذه العلاقة.
ولهذه الغاية ، منح قانون العمل صاحب العمل حق إدارة العمل ومتابعة مدى التزام العامل بواجباته المهنية، غير أن هذا الحق ليس مطلقاً، بل تحكمه قواعد قانونية ومبادئ مستقرة في القضاء الأردني، وفي مقدمتها عدم التعسف في استعمال الحق والخروج عن الغاية المشروعة منه.
وفي هذا السياق، تبرز بعض السلوكيات التي قد تصدر عن العامل أثناء فترة العمل، والتي يثور بشأنها الجدل عند تكييفها القانوني، ومن أبرزها مخالفة "إضاعة العامل لوقت العمل الرسمي خارج المهام المكلف بها" من المخالفات التي تثير إشكالاً في التطبيق، خاصة عند الاستناد إليها لإنهاء خدمة العامل وفقاَ للمادة (28) من قانون العمل والتي تتضمن حالات تجيز لصاحب العمل فصل العامل دون اشعار.
حيث لا يكفي مجرد انشغال العامل عن أداء عمله خلال ساعات الدوام لاعتبار ذلك سبباً كافياً لإنهاء الخدمة، ما لم تقترن ذلك بعناصر أخرى تتعلق بطبيعة العمل وجسامة السلوك المرتكب، وبما إذا كان هذا الفعل منصوصاُ عليه ضمن أحكام النظام الداخلي للمنشأة من عدمه، باعتبار أن تحديد المخالفات والجزاءات في النظام الداخلي للمنشأة يشكل المرجع الأساسي في تكييف سلوك العامل وتقدير أثره القانوني.
ومن هنا يثور التساؤل حول مدى جواز اعتبار هذه المخالفة سبباً مبرراً لإنهاء عقد العمل، أم أن الأمر يتطلب أن تبلغ درجة من الجسامة تبرر إنهاء الخدمة بصورة متناسبة مع الفعل المرتكب.
● مفهوم إضاعة العامل لوقت العمل الرسمي خارج المهام المكلف بها.
يقصد بهذا المفهوم كل سلوك يصدر عن العامل أثناء الدوام الرسمي يؤدي إلى تعطيل قيامه بواجباته المهنية أو انشغاله عنها بأمور لا تتصل بطبيعة العمل المكلف به، بما في ذلك الإخلال بواجباته المهنية خلال وقت العمل.
ويستند ذلك إلى التزام العامل بأداء عمله بنفسه وبذل عناية الشخص المعتاد في تنفيذه، إضافة إلى التقيد بساعات العمل الرسمية.
غير أن هذا المفهوم لا يقوم على العمل ذاته أو على معيار زمني بحت، بل يرتبط بطبيعة العمل وحدود المهام المكلف بها العامل، وبما إذا كانت هناك تعليمات واضحة ومنظمة تحدد نطاق واجباته خلال وقت العمل.
وبناءً عليه، قد يعد السلوك مخالفة في بيئة عمل معينة، بينما لا يرقى إلى ذات التكييف في بيئة عمل أخرى أو حالة عمل أخرى تختلف من حيث طبيعتها وتنظيمها.
● صور إضاعة وقت العمل وتمييزها.
وفيما يتعلق بصور هذه المخالفة في الواقع العملي، يمكن تمييز صورتين أساسيتين.
تتمثل الصورة الأولى في انشغال العامل بأمور شخصية، أو تعمده التباطؤ أثناء أداء مهام محددة ومكلف بها فعلياً، بما يؤدي إلى الإخلال المباشر بواجب الأداء وانعكاس ذلك على مستوى الإنتاج.
أما الصورة الثانية فتتمثل في وجود العامل داخل مكان العمل خلال ساعات الدوام دون أن يكون مكلفاً بمهام محددة في تلك اللحظة.
كما قد تنشأ هذه الحالة في بعض الأحيان نتيجة خلل في تنظيم العمل أو توزيع المهام داخل المنشأة، بحيث لا يكون غياب النشاط عائداً إلى العامل بقدر ما هو مرتبط بآلية العمل نفسها.
ويترتب على هذا التمييز اختلاف في تقدير مدى جسامة الفعل وآثاره القانونية بحسب ظروف كل حالة.
● النظام الداخلي ولائحة الجزاءات.
يرجع في تحديد المخالفات والجزاءات إلى النظام الداخلي ولائحة الجزاءات المعتمدة لدى المنشأة، باعتبارها الإطار الذي ينظم سلوك العامل ويحدد الالتزامات المهنية المترتبة عليه، وذلك وفق أحكام قانون العمل.
غير أن مشروعية الجزاء لا تقوم بمجرد وجود هذا النظام، بل يتعين أن تكون المخالفات محددة بصورة واضحة ومسبقة، بما يضمن بيان السلوك المحظور بشكل لا يحتمل الغموض، ولا سيما في المخالفات المتعلقة بإضاعة وقت العمل.
كما أن مجرد النص على المخالفة لا يكفي بذاته، ما لم يتم تطبيقه ضمن حدود منضبطة تراعي طبيعة الواقعة ودرجة جسامتها وظروف ارتكابها.
وبناءً عليه، تبقى مشروعية الجزاء مقيدة بمدى وضوح المخالفة وثبوتها وتحديدها، وبما يحول دون الانحراف في تطبيق أحكام النظام الداخلي عن غاياته التنظيمية.
● معيار الجسامة في المخالفة .
لا يكفي أن يثبت وقوع المخالفة بحد ذاته حتى يبنى عليه إنهاء عقد العمل، إذ يبقى ذلك مرهوناً بمدى بلوغها درجة من الجسامة تبرر هذا الإنهاء في ضوء ظروف العلاقة العمالية وخصوصية كل حالة.
وتستخلص جسامة المخالفة من عدة اعتبارات تتداخل فيما بينها، وفي هذا السياق، وعند الحديث عن مخالفة إضاعة العامل لوقت العمل الرسمي خارج المهام المكلف بها على وجه الخصوص، فإن من أهم هذه الإعتبارات طبيعة العمل نفسه، ومدى ارتباطه بعامل الوقت، والمدة التي تم إهدارها وأثرها على سير العمل، إلى جانب ما إذا كان هذا السلوك متكرراً أو منفرداً، وما ينعكس عليه من حيث سجل العامل الوظيفي، فضلاً عن حجم الأثر الذي يترتب عليه فعلياً.
وعلى ضوء ذلك، فإن المسألة لا تكون على وتيرة واحدة في جميع الأحوال، إذ يتوقف الأمر على طبيعة المهام الموكلة للعامل، وعلى ما إذا كان هذا السلوك قد أثر فعلياً على سير العمل أو بقي في نطاق مخالفة بسيطة لا يتجاوز أثرها مجريات العمل المعتادة.
وبناءً على ذلك، فإن تقدير الجسامة في النهاية لا يخضع لمعيار زمني جامد، ولا يمكن ضبطه برقم أو مدة محددة، وإنما يترك لتقييم شامل لواقع كل حالة على حدة، بما يحقق قدراً من التوازن بين متطلبات تنظيم العمل في المنشأة، وبين عدم الإضرار بالمركز العامل في العمل دون مسوغ قانوني .
● مبدأ التناسب في إنهاء خدمة العامل.
يعد مبدأ التناسب من المبادئ الأساسية التي تحكم فرض الجزاءات ، ويقتضي عدم اللجوء إلى إنهاء خدمة العامل إلا في الحالات التي تتناسب فيها جسامة المخالفة مع هذا الإجراء، ووفق قانون العمل الأردني .
وفي هذا السياق، وعند بحث مخالفة إضاعة العامل لوقت العمل على وجه الخصوص، فإن تطبيق هذا المبدأ يقتضي التمييز بين ما إذا كان السلوك المرتكب قد بلغ درجة من الجسامة تؤثر فعلياً في سير العمل واستمراريته، وبين ما إذا كان مجرد سلوك عابر يمكن تداركه بإجراءات تتخذ من قبل السلطة تأديبية تكون أقل شدة.
وعليه، فإن اللجوء إلى إنهاء خدمة العامل لا يكون قائم على سند قانوني صحيح إلا إذا شكلت هذه المخالفة إخلالاً جوهرياً بواجبات العامل وترتب عليها ضرر فعلي انعكس على سير العمل في المنشأة .
أما إذا كانت في نطاق محدود يمكن معالجتها بإتخاذ اجراءات تأديبية أخف كالتنبيه أو الإنذار أو غيرها من الجزاءات الواردة في النظام الداخلي للمنشأة.
● الخاتمة.
يتبين مما سبق أن مخالفة إضاعة العامل لوقت العمل الرسمي خارج المهام المكلف بها، لا تكفي بذاتها لإنهاء خدمة العامل، وإنما يتوقف الأمر على طبيعة العمل وظروف الحالة وجسامة الفعل والأثر الذي ترتب عليه فعلياً.
كما أن اجراء إنهاء خدمة العامل لا يلجأ إليه إلا إذا بلغت المخالفة درجة من الجسامة تبرر هذا الإجراء، وبما ينسجم مع مبدأ التناسب بين الفعل المرتكب والجزاء المترتب عليه، وإلا اعتبر هذا القرار مخالفاً لأحكام القانون .
وفي هذا السياق، وخاصة أن اجتهادات محكمة التمييز استقرت على أن الفصل التعسفي ليس مسألة محكومة بنصوص جامدة، وإنما يعد مسألة من مسائل الواقع تستخلصها المحكمة من ظروف الدعوى وما يقدم فيها من بينات، لذلك فإن التوسع في تفسير مخالفة إضاعة وقت العمل أو المبالغة في تقدير أثرها قد يؤدي إلى اعتبار إنهاء عمل العامل فصلاً تعسفياً يخضع لرقابة القضاء.
المحامية آلاء خالد حياري
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |