حين نطقت العدالة بلسان الشهداء : القصاص العادل دفاعاً عن الوطن وحمايةً للمجتمع


رم - د . مهدي مبارك عبد الله


لم تعرف المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها تحدياً أكثر خطورة من الجريمة لما تسببه من تهديد للأمن والاستقرار والسلم المجتمعي ورغم تطور القوانين وتعدد وسائل المكافحة بقيت العقوبة إحدى أهم أدوات الدولة لحماية المجتمع وصون الحقوق وردع المعتدين وحيث لا تكتسب العقوبة مشروعيتها الحقيقية إلا حين تكون متناسبة مع جسامة الجريمة وقادرة على تحقيق العدالة وإعادة التوازن الذي اختل بفعل الاعتداء على الأرواح والممتلكات ومن هذا المنطلق جاءت عقوبة الإعدام في الجرائم الأشد خطورة باعتبارها إحدى وسائل حماية المجتمع وإنصاف الضحايا وترسيخ هيبة القانون في لحظة حاسمة حملت الكثير من الدلالات القانونية والأمنية والوطنية أعلنت الحكومة الأردنية تنفيذ أحكام الإعدام بحق ستة مجرمين أدينوا في قضايا إرهابية وجنائية أودت بحياة عدد من أبناء الوطن من منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية وذلك بعد استكمال جميع الإجراءات القضائية والدستورية واكتساب الأحكام الدرجة القطعية وقد أكد رئيس الوزراء جعفر حسان خلال جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في محافظة الزرقاء أن تنفيذ هذه الأحكام يشكل رسالة واضحة ومستمرة لكل من يجرؤ على الاعتداء على نشامى القوات المسلحة والأجهزة الأمنية مشدداً في الوقت ذاته على توجه الحكومة نحو تعديل التشريعات بما يوسع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام بحق كبار تجار ومهربي المخدرات المرتبطين بالعصابات الخارجية التي تستهدف أمن الأردن واستقراره القرارات التنفيذية النهائية جاءت في توقيت بالغ الحساسية وفي ظل تنامي المخاطر التي تواجه المجتمع الأردني سواء من الإرهاب أو من عصابات المخدرات التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى كابوس وتهديد حقيقي للأمن الوطني والسلم المجتمعي حيث لم يكن تنفيذ الأحكام مجرد إجراء قانوني عابر بل مثّل إعلاناً واضحاً بأن الدولة بهيبتها لا تزال تمتلك أدوات الردع والحسم وأن دماء الشهداء الذين سقطوا أثناء أداء واجبهم المقدس لن تضيع أو تتحول إلى أرقام منسية في سجلات المحاكم والملفات القضائية باستعادة الذاكرة للأحداث المؤسفة نجد ان قضية خلية السلط الإرهابية التي وقعت عام 2018 تم تنفيذ حكم الإعدام بحق المدانين المسؤولين عن الجريمة التي استشهد فيها المقدم معاذ خميس الدماني والوكيل علي عدنان قوقزة والرقيب هشام عبد الرحمن ضيف الله العقاربة والعريف محمد أحمد بني ياسين والعريف محمد خالد الهياجنة والعريف أحمد إدريس الزعبي وهي أسماء ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن وتاريخه باعتبارها نماذج مشرفة للتضحية والفداء في مواجهة الإرهاب والتطرف كما شمل تنفيذ الأحكام ايضا المدان المسؤول عن الجريمة الإرهابية التي أدت إلى استشهاد العميد عبد الرزاق الدلابيح عام 2022 الذي هز استشهاده حينها وجدان الأردنيين جميعاً وشرفاء العالم وأعاد التذكير بحجم التحديات التي تواجهها الدولة في معركتها المستمرة ضد دعاة الفوضى والعنف والكراهية الأحكام امتدت كذلك إلى عدد من كبار تجار المخدرات الذين لم يكتفوا بتسميم المجتمع وتخريب مستقبل الشباب بل أقدموا على قتل رجال الأمن أثناء أداء واجبهم حيث استشهد العريف حسام طالب العبادي عام 2014 والوكيل محمد سلامة السقرات عام 2017 والملازم أول أحمد خالد الرواحنة عام 2018 وهي جرائم بشعة تؤكد أن المخدرات لم تعد مجرد تجارة محرمة وإنما تحولت إلى مشروع إجرامي متكامل يستهدف الإنسان والأمن والدولة في آن واحد اللافت إن أهمية هذه الأحكام لا تكمن فقط في معاقبة الجناة وإنما في إعادة الاعتبار لمفهوم الردع الذي يشكل أحد أهم أهداف العقوبة في أي نظام قانوني فحين يشعر المجرم أن أقصى العقوبات قد جمدت أو أصبحت حبراً على ورق تتراجع رهبة وهيبة القانون وتتزايد الفوضى والجرأة على ارتكاب الجرائم الخطيرة أما حين يعلم المجرمين أن الدولة تنفذ أحكامها بحزم وعدالة فإن الرسالة تصل بوضوح إلى كل من يفكر بالاعتداء على الأرواح أو العبث بأمن المجتمع من هنا تبدو المطالبة بتوسيع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام على كبار تجار ومهربي المخدرات مطلباً منطقياً ومبرراً في ظل التحولات الخطيرة التي تشهدها المنطقة خاصة وان هؤلاء لا يختلفون في جوهر أفعالهم عن القتلة المباشرين لأنهم ينشرون الموت البطيء بين الشباب ويدمرون الأسر ويهدرون الطاقات الوطنية ويحولون آلاف الضحايا إلى مشاريع دمار وانهيار اجتماعي وصحي وأمني ولذلك فإن التعامل معهم يجب أن يكون بمستوى حجم الخطر الذي يمثلونه على الدولة والمجتمع بموازاة ذلك لا يقل أهمية إعادة النظر في السياسة الجنائية المتعلقة بجرائم القتل العمد التي شهدت خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً وأخذت في بعض الأحيان أشكالاً صادمة من الوحشية والاستهتار بحرمة الحياة الإنسانية الأمر الذي يستوجب مراجعة تشريعية شاملة للقوانين وبما يضمن تشديد العقوبات وعدم السماح بتحول الجريمة إلى خيار سهل أمام أصحاب السوابق والمجرمين الخطرين لا يخفى على احد ان المجتمعات البشرية لا تستقر بالنوايا الحسنة وحدها وإنما ببسط سيادة القانون وفرض هيبة الدولة واليقين بأن من يعتدي على حياة الآخرين سيدفع ثمناً يتناسب مع حجم جريمته ولذلك فإن توسيع نطاق عقوبة الإعدام في جرائم القتل العمد والجرائم المنظمة والاعتداءات المسلحة الخطيرة وأعمال البلطجة التي تفضي إلى القتل أو تهدد أمن المجتمع يجب أن يكون جزءاً اساسيا من رؤية وطنية متكاملة لحماية المواطنين وصون السلم الأهلي وتعزيز الثقة بمنظومة العدالة العامل المهم في هذا المسار أن استمرار تنفيذ الأحكام القطعية وعدم إبقائها مجمدة لسنوات طويلة يحقق هدفاً بالغ الأهمية يتمثل في ترسيخ الثقة بالقضاء وإيصال رسالة واضحة بأن العدالة ليست شعاراً نظرياً وإنما ممارسة فعلية تنصف الضحايا وتحمي المجتمع وتمنع تكرار الجرائم وان القانون الذي لا يطبق يفقد أثره الرادع ومكانته المجتمعية مهما بلغت صرامة نصوصه وغلظة قراراته التجارب العملية في مختلف دول العالم أثبتت أن التهاون مع الجرائم الكبرى لا ينتج أمناً ولا استقراراً بتاتا بل يشجع المجرمين على التمادي والجراءة بينما الحزم والالتزام القانوني يؤدي إلى تعزيز هيبة الدولة وتقليص مساحة الجريمة وحماية الفئات الأكثر عرضة للاستهداف وفي مقدمتها الشباب الذين باتوا يواجهون حرباً مفتوحة من شبكات المخدرات والجريمة المنظمة الرسالة الواضحة والمفتوحة التي حملها تنفيذ هذه الأحكام تتجاوز الأشخاص الذين نالوا جزاءهم القانوني لتصل إلى كل من تسول له نفسه العبث بأمن الأردن أو استهداف أبنائه أو الاعتداء على رجاله الذين يسهرون على حماية حدوده واستقراره والدولة التي تكرم شهداءها بالقصاص العادل وتنتصر لسيادة القانون هي دولة واثقة من نفسها وهي تؤكد أن الأمن ليس شعاراً سياسياً وإنما عقداً وطنياً مقدساً يحمي الجميع حقيقة لا يمكن انكارها ان أخطر ما يميز ملف المخدرات اليوم أنه لم يعد مجرد نشاط إجرامي يسعى إلى تحقيق الربح غير المشروع بل تحول في كثير من الحالات إلى أداة تستخدمها شبكات عابرة للحدود تستهدف إضعاف المجتمعات واستنزاف طاقات الشباب وضرب الاستقرار الداخلي للدول ومن هنا فإن التعامل مع كبار المهربين والمتعاونين مع العصابات الخارجية يجب أن ينظر إليه بوصفه جزءاً مهما من معركة الدفاع عن الأمن الوطني لا باعتباره مجرد ملف جنائي تقليدي لان المخدرات حين تستهدف العقول وتدمر الأسر وتستنزف الموارد البشرية تصبح تهديداً استراتيجياً لا يقل خطورة عن الإرهاب أو الاعتداء المسلح على مؤسسات الدولة وكيانها عمليا لم تعد قوة الدول تقاس بما تمتلكه من مؤسسات وأجهزة وإمكانات فقط بل أيضاً بقدرتها على إنفاذ القانون بعدالة وحزم وحين يتيقن المواطن أن حقوقه مصونة وأن حياة أبنائه محمية وأن المجرم لن يفلت من العقاب تتعزز الثقة بالدولة وتتراجع مظاهر الفوضى والعنف أما حين تتراخى العقوبات أو تتأخر العدالة فإن ذلك يفتح الباب الواسع أمام شعور خطير بالإفلات من العقاب ولذلك فإن استمرارية تنفيذ احكام الاعدام القطعية في الجرائم الكبرى بات يمثل ضرورة قصوى لحماية السلم المجتمعي وترسيخ هيبة القانون وصون أمن المواطنين ختاما : إن تنفيذ القصاص العادل ليس انتقاماً كما يحاول البعض تصويره بل هو أحد أركان العدالة وحماية المجتمع وصيانة الحق في الحياة والرحمة الحقيقية التي يطالب بها البعض يجب ان تبدأ بحماية الأبرياء قبل الشفقة على المجرمين وحفظ دماء المواطنين قبل البحث عن الأعذار لمن استباحوها وعندما تنتصر العدالة لدماء الشهداء فإن الوطن كله يشعر بأن القانون ما زال قادراً على حماية الحاضر وصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ صدق الله العظيم كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]



عدد المشاهدات : (827)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :