في مصر .. اعتقال " صبري نخنوخ " إمبراطور البلطجة


رم -

د , مهدي مبارك عبد الله

في الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم تتجه إلى التطورات المتسارعة في المنطقة وما تفرضه من تحولات سياسية وأمنية واقتصادية كان الشارع المصري منشغلاً بحدث داخلي أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل خلال العقود الماضية وهي شخصية صبري نخنوخ الذي ارتبط اسمه طويلاً بعالم النفوذ غير الرسمي وشبكات العلاقات المعقدة والقوة التي تتحرك في المساحات الرمادية بين المال والسلطة والمصالح.

لم يكن خبر القبض على نخنوخ مجرد واقعة جنائية عادية بالنسبة إلى كثير من المصريين بل تحول خلال ساعات قليلة إلى قضية رأي عام استدعت إلى الذاكرة سنوات طويلة من الجدل والأسئلة حول طبيعة النفوذ الذي تمكن الرجل من بنائه وحجم العلاقات التي أحاطت به والقدرة التي امتلكها على البقاء حاضراً في المشهد العام رغم العواصف السياسية والأمنية التي مرت بها البلاد.

تعود حكاية صعوده نخنوخ إلى سنوات التسعينيات حين بدأ اسمه يتردد داخل بعض الأحياء الشعبية في القاهرة قبل أن تتوسع دائرة حضوره تدريجياً مع تنامي نفوذه المحلي وتوثق علاقاته مع شخصيات ومراكز قوة مختلفة خلال مرحلة اتسمت بتداخل المصالح السياسية والأمنية والاجتماعية. ومع مرور الوقت لم يعد اسمه مقتصراً على نطاق جغرافي محدود بل أصبح حاضراً في روايات عديدة تناولت إدارة النفوذ المحلي والصراعات الانتخابية وبعض الملفات التي ارتبطت بالحزب الوطني الحاكم آنذاك.

خلال تلك السنوات تشكلت حوله صورة الرجل القادر على التحرك خارج الأطر التقليدية للدولة مستفيداً من شبكة واسعة من العلاقات والصلات وهو ما رسخ لدى قطاعات واسعة من المصريين انطباعاً بأنه يمثل نموذجاً للنفوذ الموازي الذي لا يستمد قوته من موقع رسمي بقدر ما يستمدها من قربه من دوائر النفوذ ومراكز التأثير.

مع توسع نشاطه ارتبط اسمه بمجالات متعددة شملت الحراسة الخاصة وتأمين بعض المنشآت والعلاقات مع رجال أعمال وشخصيات عامة إضافة إلى أدوار نُسبت إليه في تسوية نزاعات مالية وتجارية بوسائل أثارت كثيراً من الجدل وأعطت صورة عن شبكة مصالح واسعة تتجاوز حدود النشاط الاقتصادي التقليدي.

ثورة الخامس والعشرين من يناير جاءت لتفتح صفحة جديدة في مسيرته بعدما شهدت البلاد آنذاك موجة من إعادة فتح الملفات ومراجعة أوضاع شخصيات كانت تعد من رموز المرحلة السابقة وفي هذا السياق وجد نخنوخ نفسه في مواجهة سلسلة من الاتهامات والقضايا التي انتهت لاحقاً إلى صدور أحكام قضائية قاسية بحقه اعتبرها كثيرون في ذلك الوقت تعبيراً عن محاولة استعادة هيبة القانون وإخضاع شخصيات نافذة للمساءلة القضائية.

غير أن المشهد لم يستقر عند هذا الحد إذ عاد الرجل إلى الواجهة مجدداً بعد سنوات من السجن عندما شمله عفو رئاسي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي لأسباب صحية وهو قرار أثار آنذاك نقاشات واسعة داخل الشارع المصري وبين النخب السياسية والإعلامية خاصة أن صورة نخنوخ في الوعي العام ظلت مرتبطة بالنفوذ والجدل أكثر من أي شيء آخر.

بعد الإفراج عنه بدا واضحاً أن الرجل اختار العودة إلى المجال العام بصورة مختلفة حيث ظهر في مناسبات اجتماعية متنوعة واتسعت دائرة حضوره الإعلامي كما ارتبط اسمه بمواقع مؤثرة داخل قطاع الأمن والحراسة الخاصة الأمر الذي أعطى انطباعاً لدى كثيرين بأن نفوذه لم يتراجع بل أعيد إنتاجه في صورة أكثر علنية وتنظيماً.

لقد شكل توليه موقعاً قيادياً في واحدة من أكبر شركات الأمن والحراسة الخاصة في مصر محطة لافتة في هذه العودة إذ رأى مراقبون أن انتقال شخصية ارتبطت طويلاً بعالم البلطجة والنفوذ غير الرسمي إلى موقع مؤسسي داخل قطاع أمني خاص واسع التأثير يعكس طبيعة التحولات المعقدة التي شهدتها علاقات القوة والنفوذ في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة.

لعل أكثر ما ساهم في ترسيخ حضوره الرمزي داخل الوعي الشعبي تلك العبارة الشهيرة التي أطلقها عقب توقيفه قبل سنوات حين وصف نفسه بأنه رئيس جمهورية العاملين معه وهي عبارة اعتبرها كثيرون أكثر من مجرد تصريح عابر بل تعبيراً مكثفاً عن عقلية النفوذ الموازي التي تقوم على شبكات الولاء والمصالح الخاصة بعيداً عن الهياكل التقليدية للدولة.

ما بقي ثابتاً في الوعي العام لم يكن تفاصيل المناصب أو التحولات بل الصورة التراكمية لشخصية ارتبطت طويلاً بفكرة القدرة على التحرك داخل مساحات غير خاضعة بالكامل للرقابة أو المساءلة سواء عبر نفوذ غير رسمي خالص أو عبر شبكات علاقات تمتد إلى محيط رسمي أو شبه رسمي أو على الأقل متسامح مع وجوده وهذه الصورة هي التي صنعت هالة رمزية حوله جعلت اسمه يتجاوز شخصه إلى كونه علامة على نمط من أنماط النفوذ في المجتمع

لهذا السبب لم يكن المصريون ينظرون إليه باعتباره شخصاً عادياً أو رجل أعمال مثيراً للجدل فحسب بل بوصفه نموذجاً يجسد التداخل بين المال والنفوذ والعلاقات والقدرة على التأثير وهو ما جعله رمزاً لمرحلة كاملة من الجدل حول العدالة والمساءلة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون.

بعد مع عودته إلى دائرة التحقيقات والاتهامات في القضية الأخيرة استعاد المصريون كثيراً من الأسئلة القديمة التي ظلت معلقة لسنوات طويلة. فالقضية الجديدة لم تُقرأ باعتبارها حادثة منفصلة أو خلافاً عابراً بل بوصفها امتداداً لمسار طويل من الجدل حول شخصية ارتبط اسمها بشبكات النفوذ والقدرة على الحركة داخل مناطق يصعب على غيرها الوصول إليها.

من هنا يمكن فهم حالة الارتياح الواسعة التي ظهرت في الشارع المصري عقب إعلان توقيفه لأنه بالنسبة إلى كثيرين لم يكن الأمر متعلقاً بشخص واحد أو بملف قضائي محدد بل كان تعبيراً عن رغبة متراكمة في رؤية القانون وهو يقترب من الشخصيات التي اعتقد الناس طويلاً أنها بعيدة عن المساءلة أو محصنة بشبكات النفوذ والعلاقات.

اللافت ان صبري نخنوخ مع مرور السنوات من مجرد اسم في صفحات الحوادث إلى رمز سياسي واجتماعي يحمل دلالات أوسع بكثير من شخصه ولذلك فإن القضية الحالية لا تتعلق بمصيره الفردي فقط بل تعيد فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين السلطة والثروة والنفوذ في المجتمع المصري وحول قدرة القانون على الوصول إلى الجميع دون استثناء.

ختاما : لهذا السبب تحديداً لم يكن خبر اعتقاله خبراً عادياً في نظر المصريين بل بدا بالنسبة إلى كثيرين وكأنه لحظة رمزية تعيد التأكيد على مبدأ ظل حاضراً في وجدان الناس مهما طال الزمن وهو أن لا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون مهما امتلك من مال أو نفوذ أو علاقات.

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]






عدد المشاهدات : (842)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :