غزة بين أزمة السيولة ومخاطر العملة الرقمية: دراسة لمركز الزيتونة تستشرف التداعيات


رم - حذّرت دراسة جديدة أصدرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات من أن مقترحات إطلاق عملة رقمية خاصة بقطاع غزة، والمطروحة بوصفها حلاً لأزمة السيولة النقدية الخانقة، قد تفضي إلى تكريس الانفصال المالي بين قطاع غزة والضفة الغربية، وتهدد وحدة النظام المالي الفلسطيني ودور مؤسساته النقدية الوطنية.

وتقدّم الدراسة، التي أعدّها الباحث الفلسطيني د. رائد محمد حلس تحت عنوان "أزمة السيولة النقدية ومخاطر التحول إلى العملة الرقمية في قطاع غزة: تداعيات الانفصال المالي على النظام المالي الفلسطيني"، قراءة معمقة لجذور أزمة السيولة غير المسبوقة التي يعيشها القطاع في ظل الحرب والحصار، وللتداعيات الاقتصادية والسياسية المحتملة لبعض الحلول المطروحة لمعالجتها.

وتوضح الدراسة أن أزمة السيولة تفاقمت بصورة حادة نتيجة تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية المصرفية، وتعطل عمل البنوك وأجهزة الصراف الآلي، واستمرار القيود المفروضة على إدخال النقد إلى القطاع، ما أدى إلى اختناقات شديدة في المعاملات المالية اليومية وعجز المؤسسات المصرفية عن تلبية الطلب المتزايد على السيولة.
كما تكشف أن الحرب أدت إلى توقف معظم القنوات الرئيسية التي كانت تضخ السيولة إلى غزة، بما في ذلك شحن النقد من الضفة الغربية، والتحويلات النقدية للأونروا، والأموال التي كان يحملها الوافدون من الخارج، وتحويلات العمال العاملين داخل إسرائيل، فضلاً عن المساعدات القطرية النقدية. وقد أسهم توقف هذه القنوات في حرمان الاقتصاد المحلي من تدفقات مالية كانت تقدَّر بعشرات ملايين الدولارات شهرياً، وأدى إلى انكماش حاد في المعروض النقدي وتعميق الاختلالات المالية.

وترصد الورقة البحثية جملة من الظواهر الاقتصادية المقلقة التي رافقت الأزمة، أبرزها اتساع الاقتصاد غير الرسمي، واحتكار السيولة واكتنازها خارج الأطر المصرفية، وارتفاع عمولات السحب النقدي إلى مستويات قياسية تجاوزت في بعض الحالات 45% من قيمة المبالغ المسحوبة، الأمر الذي استنزف دخول المواطنين وأضعف قدرتهم الشرائية.
وفي هذا السياق، تتناول الدراسة المقترحات المتداولة بشأن إطلاق عملة رقمية أو عملة مستقرة خاصة بقطاع غزة، والتي طُرحت في إطار تصورات دولية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب وإعادة هيكلة الاقتصاد المحلي. ورغم ما يُروَّج لهذه المقترحات باعتبارها حلولاً تقنية لأزمة السيولة، فإن الباحث يرى أنها تنطوي على مخاطر سياسية واقتصادية عميقة، في مقدمتها تكريس الانفصال المالي بين غزة والضفة الغربية، وتقليص دور سلطة النقد الفلسطينية، وإضعاف وحدة المنظومة المالية الوطنية.

وتشير الدراسة إلى أن أي مشروع للتحول نحو عملة رقمية يواجه تحديات بنيوية كبيرة في ظل الواقع القائم، لا سيما بعد تدمير أو تضرر نحو 81% من المباني والمنشآت في القطاع، وتضرر شبكات الكهرباء والاتصالات، واستمرار الاعتماد على بنية اتصالات محدودة الكفاءة، بما يجعل تطبيق منظومة مالية رقمية شاملة أمراً محفوفاً بالمخاطر التقنية والتشغيلية.

كما تلفت إلى مخاوف تتعلق بالسيادة المالية والخصوصية والرقابة، إذ قد يؤدي اعتماد نظام رقمي مركزي خارج الأطر الفلسطينية الرسمية إلى تعزيز إمكانات التتبع والمراقبة والتحكم بالمعاملات المالية، بما يحول النظام النقدي إلى أداة للضبط والسيطرة بدلاً من كونه أداة للتعافي الاقتصادي والتنمية.

وفي مقابل ذلك، تطرح الدراسة مجموعة من البدائل العملية لمعالجة الأزمة، من أبرزها إعادة تفعيل قنوات ضخ السيولة عبر الجهاز المصرفي الرسمي، وتوسيع استخدام أنظمة الدفع الرقمي الوطنية الخاضعة لإشراف سلطة النقد الفلسطينية، وإنشاء آليات تمويل طارئة لدعم السيولة المصرفية، وتطوير البنية التحتية للطاقة والاتصالات بما يعزز كفاءة الخدمات المالية الرقمية.

وتخلص الدراسة إلى أن أزمة السيولة في قطاع غزة تتجاوز كونها مشكلة نقدية مؤقتة، لتلامس قضايا تتعلق بمستقبل النظام المالي الفلسطيني ووحدته المؤسسية، حيث تدعو الدراسة إلى التمسك بسلطة النقد الفلسطينية كمرجعية حصرية للسياسة النقدية، ورفض أي ترتيبات مالية موازية قد تؤدي إلى تعميق الانفصال الاقتصادي والمالي بين شطري الوطن الفلسطيني.

وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة في ظل النقاشات المتصاعدة حول ترتيبات إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب ومسارات إعادة الإعمار، إذ تقدم قراءة نقدية للتداعيات الاقتصادية والسياسية لمقترحات العملة الرقمية، وتدعو إلى معالجة أزمة السيولة ضمن إطار وطني يحافظ على وحدة النظام المالي الفلسطيني وسيادته المؤسسية.



عدد المشاهدات : (4131)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :