كأس العالم… حين تتحول كرة القدم إلى قوة اقتصادية


رم - جوش جيلبرت، المحلل الرئيسي لمنطقة الشرق الأوسط لدى إيتورو


أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة – 11 يونيو 2026
يشهد كأس العالم 2026 حضوراً عربياً غير مسبوق، مع مشاركة ثمانية منتخبات عربية هي: السعودية وقطر والأردن والمغرب وتونس ومصر والجزائر والعراق. ويُعد هذا الرقم ضعف الرقم القياسي السابق الذي سُجّل في نسخة 2018، ليشكّل أكبر حضور عربي في تاريخ البطولة. كما تسجل الأردن ظهورها الأول في كأس العالم، فيما يعود العراق إلى النهائيات بعد غياب دام أربعين عاماً.

وتتجاوز أبعاد النسخة الحديثة من البطولة حدود المستطيل الأخضر. فبحسب تقديرات مستندة إلى دراسة صادرة عن "أوكسفورد إيكونوميكس"، من المتوقع أن تسهم البطولة بما يصل إلى 40.9 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأن تستقطب نحو 6.5 ملايين زائر عبر الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ومع ذلك، تبقى الأرقام الفعلية رهناً بالواقع، في ظل مؤشرات تُظهر أن حجوزات الفنادق في المدن المستضيفة جاءت دون التوقعات الأولية، إلى جانب ارتفاع تكاليف التذاكر والسفر والإقامة، وهو ما شكّل تحدياً لبعض المشجعين الراغبين في حضور البطولة.

وبالنسبة للدول المشاركة، قد لا تكون القيمة الحقيقية في البطولة نفسها بقدر ما تكمن في الاهتمام العالمي الذي تثيره. فالتألق في البطولة يضع الدولة أمام جمهور عالمي واسع، ويوفر لها حضوراً وتأثيراً يصعب تحقيقهما عبر الحملات الترويجية التقليدية، مهما بلغت ميزانياتها. كما يسهم ذلك في تعزيز جاذبيتها السياحية وتعزيز مكانتها على الساحة العالمية، فضلاً عن تحفيز الاستثمارات في قطاعات الفنادق والطيران والتجارب الترفيهية وتجارة التجزئة والخدمات الاستهلاكية المختلفة.

ويُعد المغرب مثالاً واضحاً على ذلك. فبعد وصوله إلى الدور نصف النهائي في نسخة 2022، استقبلت المملكة في عام 2023 نحو 14.5 مليون زائر، بزيادة بلغت 34% مقارنة بالعام السابق. ورغم أن كرة القدم لم تكن العامل الوحيد وراء هذا النمو، فإن الإنجاز الرياضي أسهم بلا شك في إبقاء المغرب حاضراً بقوة على الساحة الدولية، فيما امتدت آثار الانتعاش السياحي والإنفاق الاستهلاكي إلى ما بعد صافرة النهاية.

ومن الصعب تجاهل الحماس الذي يصاحب كأس العالم، إذ تتجاوز انعكاساته المدن المستضيفة لتشمل قطاعات الفنادق والمطاعم والحانات الرياضية وشركات الطيران وشبكات البث ومنصات البث الرقمي ومزودي خدمات الدفع والعلامات التجارية الاستهلاكية. وحتى مع إقامة المباريات خارج المنطقة، يواصل المشجعون الإنفاق محلياً من خلال السفر والتجمعات الجماهيرية والحملات الإعلانية وشراء المنتجات المرتبطة بالبطولة وخدمات توصيل الطعام وقطاع الضيافة.

ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة لدولة الإمارات ومنطقة الخليج عموماً، التي تشهد بالفعل نمواً هيكلياً في قطاعي السياحة والضيافة. فقد استقبلت دول مجلس التعاون الخليجي 72.2 مليون سائح دولي في عام 2024، بزيادة بلغت 51.5% مقارنة بمستويات عام 2019. كما تواصل هذا الزخم في دولة الإمارات، حيث سجلت المنشآت الفندقية رقماً قياسياً باستقبال 32.34 مليون نزيل خلال عام 2025. وكما أظهر المثال المغربي، فإن الظهور المشرف على الساحة الكروية العالمية من شأنه أن يسرّع تعزيز هذا الزخم.

وفي الوقت ذاته، باتت الرياضة تمثل قطاعاً اقتصادياً واعداً متنامي الأهمية في مختلف أنحاء المنطقة. فبينما برزت المملكة العربية السعودية بشكل لافت في مجال الاستثمار في كرة القدم، تبنت كل من قطر والإمارات والمغرب أيضاً استراتيجيات أوسع توظف الرياضة لتعزيز التنويع الاقتصادي، وجذب السياح، وترسيخ الحضور العالمي، وتوسيع الأسواق الاستهلاكية.

ورغم أن كأس العالم لن يُحدث تحولاً جذرياً في اقتصادات المنطقة بمفرده، فإنه يشكل فإنه يعزز مسار النمو القائم لقطاعات كانت تسير بالفعل في مسار إيجابي. ومع مشاركة عدد غير مسبوق من المنتخبات العربية، تحظى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم بمنصة عالمية أكبر من أي وقت مضى. كما أن استضافة المغرب المشتركة لنسخة 2030 تجعل من هذه المرحلة أكثر من مجرد لحظة استثنائية، بل خطوة إضافية في مسيرة ترسيخ الاقتصاد الرياضي المتنامي في المنطقة.



عدد المشاهدات : (4072)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :