رم - د. محمد عاطف عضيبات
لم يكن قرار مجلس الوزراء بالموافقة على الأسباب الموجبة لمشروع قانون معدل لقانون التحكيم لسنة 2026 مجرد إجراء تشريعي عابر، بل إعلاناً بأن الأردن يريد أن ينتقل من موقع الدولة التي تملك قانوناً للتحكيم إلى موقع الدولة التي تصنع بيئة مؤسسية للتحكيم. فالمركز الدولي المتخصص المنوي إنشاؤه لمأسسة التحكيم التجاري الدولي، إذا أُحسن بناؤه، قد يكون إحدى أهم أدوات تشجيع الاستثمار العربي والأجنبي، لأن المستثمر لا يبحث عن الإعفاءات وحدها، بل عن عدالة سريعة، ومحايدة، ومتوقعة النتائج، وآلية تنفيذ سريعة، فتلك، في الواقع، هي من ابرز سمات التحكيم المؤسسي.
أهمية القرار أنه يربط بين القانون والاقتصاد ربطاً عملياً. فالاستثمار لا يستقر في بيئة يخشى فيها صاحب المال من بطء الفصل في النزاع أو غموض آليات التنفيذ أو ضعف الخبرة الفنية في القضايا التجارية الكبرى. ومن هنا تأتي دلالة المركز: تحويل الأردن إلى منصة قانونية آمنة، لا إلى مجرد سوق أو ممر جغرافي. وحين يشعر المستثمر أن نزاعه يمكن أن يُدار في عمان وفق معايير تحكيم دولية، وبكوادر أردنية مؤهلة، وبإجراءات مؤسسية واضحة، فإن ذلك يختصر المسافة بين الثقة والقرار الاستثماري.
ولا يعني إنشاء المركز بالضرورة نسف قانون التحكيم القائم، لكنه يستلزم مراجعة ذكية لبعض مواده، لا سيما ما يتصل باستقلالية المؤسسة التحكيمية، قواعد السرية، الإفصاح عن تعارض المصالح، التدابير المستعجلة، التحكيم بالوسائبل الإلكترونية، تنفيذ الأحكام، وتقليل تدخل القضاء إلا في الحدود التي تحمي المشروعية ولا تعطل الفاعلية. فالمركز الناجح لا يقوم على المبنى والشعار، بل على قواعد إجرائية حديثة، وقوائم محكمين موثوقة، ورسوم منافسة، وشفافية إدارية، ونظام حوكمة يحميه من البيروقراطية.
كما أن هذا القرار يعزز فرص الأردن في منافسة مراكز راسخة مثل مركز القاهرة الاقليمي للتحكيم التجاري الدولي ومركز دبي للتحكيم الدولي، لا بمنطق المزاحمة الشكلية، بل بمنطق الميزة الأردنية: موقع متوسط، استقرار سياسي، قضاء محترم، خبرات قانونية عميقة، وسمعة إقليمية في الاعتدال. وإذا أضيف إلى ذلك دور الأردن اللوجستي في المنطقة، فإن المركز قد يصبح جزءاً من منظومة أوسع تستقطب الشركات العاملة في إعادة إعمار سوريا ولبنان وغزة، بحيث تجد في الأردن مقراً آمناً للتعاقد، التمويل، الإدارة، وتسوية المنازعات من خلال التحكيم المؤسسي وفق قواعد شفافة.
والقرار يضع الجامعات الأردنية أمام مسؤولية جديدة. فلم يعد كافياً تدريس التحكيم كمبحث نظري؛ بل ينبغي إنشاء مسارات دبلوم وماجستير وتدريب مهني في التحكيم التجاري الدولي، وصياغة العقود، والوساطة، وإدارة النزاعات الهندسية والإنشائية، والتحكيم الرقمي. فالمركز يحتاج إلى جيل من المحكمين، المحامين، الخبراء، والمترجمين القانونيين القادرين على مخاطبة العالم بلغته.