الحياصات يكتب : خربشات أردنية في مواسم الضجيج


رم -

أ.د. علي حياصات
كل بضعة أيام تنطلق زوبعة جديدة في فضاء البلاد، تستحوذ على الشاشات ومنصات التواصل والمجالس العامة، وكأنها القضية المصيرية التي ستحدد مستقبل الوطن. نختلف، نتجادل، نتبادل الاتهامات، ثم لا يلبث كل شيء أن يختفي فجأة مع وصول الضجيج التالي.
وفيما ننشغل بهذه المعارك الموسمية، تتراجع إلى الخلف أسئلة أكثر إلحاحًا: الفقر، والبطالة، وغلاء المعيشة، وتراجع الثقة العامة، وتحولات المجتمع المتسارعة. وكأننا أصبحنا نفضل مطاردة العناوين الصاخبة على مواجهة الأسئلة الصعبة.
(1) : تصريحات العناني
أثار تصريح الدكتور جواد العناني عاصفة من التعليقات والتحليلات. وربما لم يكن موفقًا في بعض تعابيره، لكن المفارقة أن تصريحًا بلا أثر عملي مباشر نجح في احتلال الفضاء العام لعدة أيام.
مرة أخرى، ننشغل بالكلمات أكثر مما ننشغل بالواقع الذي أنتجها. والأخطر أن بعض المسؤولين باتوا يدركون أن عمر الغضب العام قصير، وأن أي زوبعة، مهما اشتدت، لن تعيش أكثر من أسبوع ضوضائي قبل أن تبتلعها زوبعة أخرى. للأسف، يثبت الواقع صحة هذا الرهان في كل مرة، نغضب بسرعة، ننشغل بسرعة، ثم ننسى بسرعة أكبر.
(2): حفلة البتراء... ليلة وعدّت
ما حدث حول حفلة البتراء خلال العيد كان نموذجًا آخر لثقافة "ليلة وعدّت". ضجيج إعلامي واجتماعي واسع، لكن دون اتفاق واضح حتى على طبيعة المشكلة نفسها. هل كان الاعتراض على الشكل أم على المضمون؟ وهل أصبحت قضايا المجتمع الكبرى محسومة إلى درجة لم يبق أمامنا سوى الانقسام حول حفل فني؟
بعيدًا عن استدعاء السجالات القديمة مثل "شوي شوي يا فهد" ان كنتم تذكرون، يبقى الواقع أبسط من ذلك بكثير. هناك مسؤولون يجتهدون، يصيبون أحيانًا ويخطئون أحيانًا أخرى، لكن المؤكد أن حجم الضجيج الذي رافق الحفل كان أكبر بكثير من الحدث نفسه. وبعد أيام قليلة سينتقل الجميع، كالعادة، إلى قضية جديدة، تاركين خلفهم كل ذلك الغضب وكأنه لم يكن.
(3): كم مرة نحتاج إلى كسر الجرة؟
منذ سنوات لم أعد أتابع بورصة التشكيلات الحكومية، من جاء ومن غادر، ومن يحمل السيرة الذاتية الأقوى أو العلاقات الأوسع. لكن ما يلفت الانتباه دائمًا هو إصرار بعض النخب على التعامل مع الوزراء وكأنهم جزر منفصلة، فتراها تهاجم هذا الوزير وتمجّد رئيسه، وكأنها لم تقرأ يومًا أن مجلس الوزراء مسؤولية جماعية، نجاحًا وإخفاقًا. في كل مرة تُكسر فيها الجرة على رأس شخص أو وزارة أو مسؤول، نتصرف وكأن المشكلة حُلّت، ثم نكتشف بعد فترة أننا عدنا إلى النقطة نفسها. يتغير الأشخاص، بينما تبقى الأسئلة الحقيقية معلقة بلا إجابات.
(4): ما وراء الضجيج
صرنا بارعين في إنتاج الضجيج أكثر من براعتنا في مواجهة المشكلات التي تصنعه. نطارد تصريحًا، ونحاكم حدثًا عابرًا، ونختلف حول الأشخاص، بينما تتراكم التحديات الحقيقية بصمت.
وربما لهذا السبب لا يخشى المسؤولون من العاصفة ما دامت مؤقتة، ولا من الغضب ما دام سريع النسيان.
أما الأسئلة التي تستحق أن تتصدر المشهد فما زالت تنتظر: كيف نواجه اقتصادًا يزداد ضغطًا على الناس؟ وكيف نتعامل مع مجتمع يتغير أسرع من قدرة مؤسساته على مواكبة هذا التغيير؟ وأي مستقبل نريده لأبنائنا إذا تحول المجال العام إلى سباق دائم بين ضجيج لم نفهمه بعد، وضجيج جديد بدأ بالفعل؟
في زمن الضجيج، لم تعد المشكلة في كثرة الأصوات فحسب، بل في أن الصوت الحقيقي والأهم غالبًا ما يكون الأقل حضورًا، وربما هذا هو المقصود بالضبط.




عدد المشاهدات : (4349)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :