كارثة أكبر من هرمز .. ماذا سيخسر العالم إذا أغلقت الصين مضيق تايوان؟


رم - في صباح يوم 27 فبراير/شباط 2026، وقبل ساعات من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، توقف نشاط الطيران العسكري الصيني فوق تايوان، في سلوك غير معتاد. فقد اعتاد الدفاع التايواني طوال السنوات الماضية على مهمة روتينية شبه يومية هي مراقبة حركة الطائرات الحربية الصينية وهي تخترق المجال الجوي في استعراض متكرر للقوة العسكرية، ما جعل التوقف المفاجئ للنشاط الجوي الصيني أحجية أثارت حالة من عدم اليقين بشأن نوايا الصين.

استمر هذا التوقف قرابة أسبوعين (باستثناء خرق واحد خلالها تقريبا)، وهي أطول فترة انقطاع على الإطلاق منذ بدأت الصين اختراقاتها لمنطقة الدفاع الجوي التايواني بانتظام في عام 2020. وبحسب محللين، فإن الغموض الذي أحاط بتحركات الصين وقتها كان يشبه الهدوء المريب الذي ينذر بالعواصف، إذ اعتبره البعض تكتيكا مخادعا يسبق تدريبا عسكريا واسع النطاق، أو ربما تمهيدا لهجوم صادم ومفاجئ تستغل فيه الصين انشغال الولايات المتحدة بحربها في الشرق الأوسط.

حدث ذلك في وقت توالت فيه التقارير الإخبارية حول استعانة البنتاغون بمخزون صواريخ "باتريوت" الاعتراضية المتطورة، المخصصة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وذلك في خضم الحرب المستعرة مع إيران، ما يترك "الخاصرة الأمريكية" مكشوفة أمام طموحات الصين المتزايدة في شرق آسيا. وفي 10 مارس/آذار، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية عن شروع الولايات المتحدة في نقل أجزاء من نظام بطاريات الدفاع الصاروخي "ثاد" من قواعدها في كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، تحسبا لزيادة وتيرة الهجمات الإيرانية، ما أضعف قدرة أمريكا على مواجهة الصين نتيجة استنزاف قدراتها العسكرية.

"ماذا لو اتبعت الصين إستراتيجية الحصار البحري لتايوان على طريقة مضيق هرمز بدلا من الغزو الشامل؟"

كل هذه المعطيات جعلت من تلك اللحظة توقيتا مثاليا لإقدام الصين على خطوة تصعيدية في جزيرة تايوان. في نهاية المطاف لم تقم الصين بالتصعيد في انتظار ربما للحظة أكثر مواتاة، لكن أشباح التحرك العسكري الصيني لم تزل أبدا. وفي حين يتركز الاهتمام غالبا على سيناريو غزو صيني محتمل للجزيرة، طرح المحلل العسكري روبن جونسون، مدير مركز آسيا للأبحاث في مؤسسة كازيمير بولاسكي، فرضية أخرى تبعث على القلق.

إعلان

تتلخص فرضية جونسون في السؤال: ماذا لو اتبعت الصين إستراتيجية الحصار البحري على طريقة مضيق هرمز بدلا من الغزو الشامل؟ يرى جونسون أن الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي تعاني من نقطة ضعف حرجة في السيطرة البحرية، تجعل من إستراتيجية الحصار أخطر وأشد تأثيرا، ليس على الولايات المتحدة وحدها، بل وعلى الاقتصاد العالمي كله.


معضلة عام 2027
في ديسمبر/كانون الأول 2025، أطلقت بكين مناورة عسكرية واسعة النطاق تحت اسم "مهمة العدالة 2025″، عُدَّت محاكاة واقعية لسيناريو الحصار الشامل، حيث سعت لمحاكاة تطويق تايوان وعزلها عن العالم، مستخدمة في ذلك طيفا كاملا من القدرات العسكرية، شمل إطلاق عشرات الصواريخ ونشر أعداد كبيرة من الفرقاطات والمدمرات والطائرات المقاتلة والمسيرات وقاذفات القنابل، أحصتها وزارة الدفاع التايوانية بما لا يقل عن 28 سفينة تابعة للبحرية الصينية و89 طائرة حربية.

لم تكن هذه المناورة مجرد استعراض للقوة الصينية، بل رسالة رمزية متعددة الأوجه، تراوحت بين التهديد الصريح لتايوان، وتحذير القوى الخارجية الداعمة لها من مغبة التدخل، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. أما اللافت للنظر بشأن هذه المناورة، فهي أنها شملت تدريبا واقعيا على استهداف الموانئ وقطع خطوط الإمداد، وهو ما جعل الخبراء والمراقبين يرجحون أن العقلية العسكرية الصينية تميل نحو إستراتيجية الحصار البحري، لا الغزو المباشر كما كان يعتقد سابقا.

"يبرز عام 2027 باعتباره نقطة حسم محتملة فيما يخص الصراع الصيني التايواني، تزامنا مع الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي"

في خضم التوترات المتفاقمة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يبرز عام 2027 باعتباره نقطة حسم محتملة فيما يخص الصراع الصيني التايواني، فهو يوافق الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، ووفقا لوزارة الدفاع الأمريكية، فإن بكين أصبحت جاهزة لكسب معركتها من أجل "صين واحدة".


ولفهم مدى تعقيد الوضع الحالي، علينا العودة بالزمن 6 سنوات إلى الوراء، وتحديدا إلى تصريح الأدميرال فيليب ديفيدسون عام 2021، الذي تولى مسؤولية القيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وقتها. فقد صرح أن الصين ستكون جاهزة لغزو تايوان بحلول عام 2027، وهو افتراض عرف باسم "نافذة ديفيدسون".

"أكدت الاستخبارات الأمريكية أن مسألة إعادة توحيد الصين مع تايوان ليست مجرد قضية مطروحة للنقاش، وإنما مصير محتوم من وجهة نظر بكين"

هذا الأمر أكدته تقديرات الاستخبارات الأمريكية لعام 2025، التي أشارت أن مسألة إعادة توحيد الصين مع تايوان ليست مجرد قضية مطروحة للنقاش، وإنما مصير محتوم من وجهة نظر بكين، وركيزة أساسية لا غنى عنها لتحقيق رؤية الرئيس الصيني شي جين بينغ عن "النهضة العظيمة للأمة الصينية"، التي تسعى لتحويل الصين إلى قوة عظمى عالمية مكتملة الأركان بحلول عام 2049. وكل ما هنالك أن الأمر يتوقف على اختيار التوقيت المناسب والكيفية التي سيجري بها إنجاز هذا الحلم.

لقد عكفت الصين على محاكاة نموذج الصعود الأمريكي عسكريا، فعملت على تطوير قدراتها النووية جوا وبحرا وبرا، وأعادت هيكلة القوات الجوية بإدخال قاذفات إستراتيجية، مثل "إتش-20" (H-20)، التي أعلن البدء في تطويرها عام 2016. كما طورت الصواريخ الباليستية العابرة للقارات وصولا إلى طراز "دي إف-41" (DF-41)، الذي يصل مداه الأقصى إلى 15 ألف كيلومتر.

وفي حين ظلت القدرات البحرية لجيش التحرير الشعبي بمثابة نقطة ضعف تاريخية فإن ذلك الوضع يتغير بوتيرة متسارعة. فقد ضاعفت بكين من جهود بناء السفن الحربية لتتجاوز بين عامي 2014-2018 القوات البحرية الألمانية والهندية والبريطانية والإسبانية مجتمعين، كما نجحت في تجاوز البحرية الأمريكية نفسها من حيث عدد السفن (وإن ظل التفوق الشامل في القدرات القتالية لصالح البحرية الأمريكية بفارق كبير)، إضافة إلى الجهود الكبيرة التي بذلتها البحرية الصينية لتطوير تكنولوجيا الغواصات وقدرات الكشف تحت الماء.

"نشرت الصين شبكات استشعار على طول الساحل الصيني وفي بحر جنوب الصين، وهو ما أُطلق عليه اسم سور الصين العظيم تحت الماء"

وبحسب "وول ستريت جورنال"، أطلقت الصين عام 2023 غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية، مزودة بنظام دفع نفاث بدلا من المحركات المروحية، ومزودة بتقنيات لتقليل الضجيج تشبه تلك المستخدمة في الغواصات الأمريكية. كما نشرت العديد من شبكات الاستشعار على طول الساحل الصيني وفي بحر جنوب الصين، وهو ما أطلق عليه اسم "سور الصين العظيم تحت الماء". وكانت تلك هي الطريقة التي تجهزت بها بكين لأي صراع قادم مع تايوان، ولجعل منطقة غرب المحيط الهادئ غير آمنة للغواصات الأمريكية.

الصين أطلقت عام 2023 غواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية، مزودة بنظام دفع نفاث وتقنيات لتقليل الضجيج (رويترز)
في سبيل السيطرة على تايوان، اتبعت بكين نهجا مزدوجا طويل الأمد، فمن جهة تحلق المقاتلات الصينية في مهمة شبه يومية لاختراق المجال الجوي التايواني، بما يشكل عبئا نفسيا وإنذارا مستمرا بأن الحرب قد تندلع في أي لحظة. ومن جهة أخرى تحضر "القوة الناعمة"، وهو أسلوب أكثر "اعتدالا" يستند إلى الاستقطاب الاقتصادي، عبر عرض حوافز اقتصادية مجزية واستغلال الخلفية الثقافية واللغوية المشتركة.

يطلق الخبراء والمحللون على هذا النهج اسم "الحرب الرمادية" أو "تكتيكات المنطقة الرمادية"، التي عادة ما تعتمد على الترهيب وكسر المقاومة عبر طرق غير تقليدية، مثل التضليل الإعلامي والتجسس السيبراني والمناورات العسكرية، وبذلك تستطيع بكين الضغط العسكري على تايبيه، دون المجازفة بخوض حرب شاملة قد تضطرها لمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

"تدرك بكين أن غزو تايوان مغامرة خطرة لربما تكبدها خسائر اقتصادية ضخمة، لذا فهي تضع سيناريو الاجتياح في ذيل الخيارات"

تدرك بكين كيف يمكن لخيار الغزو أن يصبح مغامرة محفوفة بالمخاطر قد تكبدها خسائر اقتصادية ضخمة، ولهذا السبب تضع الصين سيناريو الاجتياح في ذيل قائمة الخيارات المتاحة، وهو ما خلص إليه تقرير التقييم السنوي حول التهديدات الرئيسية للأمن القومي لعام 2026، الصادر عن الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذي أشار إلى أن الصين لم تتخذ بعد قرارها بغزو تايوان ولا تمتلك جدولا زمنيا لتحقيق هدف الوحدة، على عكس توقعات عام 2027.

غير أن غياب قرار الغزو لا يعني تراجع بكين، بل إن التناقض يعد أحد ملامح الخداع في الإستراتيجية الصينية الساعية لإبقاء كافة الخيارات مفتوحة، ما دفع العديد من الخبراء العسكريين إلى اعتبار الحصار البحري السيناريو الأكثر واقعية.

تايوان - جزر بينغو وكينمن وماتسو

مضيق تايوان.. عصب التكنولوجيا
تُعرف تايوان رسميا باسم "جمهورية الصين"، وهي أرخبيل من 168 جزيرة صغيرة، أكبرها جزيرة فورموسا التي تشكل 99% من مساحة الأرخبيل، وتقع في شرق آسيا وتطل على المحيط الهادئ، ويفصلها مضيق تايوان عن بر الصين الرئيسي بقرابة 180 كيلومترا. وبرغم صغر مساحتها التي لا تتعدى 36 ألف كيلومتر مربع، فإنها تعد من أخطر بؤر التوتر الاستراتيجي في العالم.

يقول المحلل العسكري روبن جونسون إن مضيق تايوان يمكن اعتباره سلاحا متعدد الأبعاد بإمكانه إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، ولا يقل في أهميته عن الممرات المائية الحيوية الأخرى مثل مضيق هرمز. فإذا كان هرمز بمثابة "شريان النفط" في العالم، فإن مضيق تايوان هو "عصب التكنولوجيا"، وإذا أُغلق أو حوصر، بإمكانه شل كل جوانب الحياة الحديثة تقريبا.

"مضيق تايوان سلاح متعدد الأبعاد بإمكانه إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي"

علينا التفكير في تايوان على أنها بمثابة الشريان الذي يشغل كل الأجهزة الإلكترونية التي نعتمد عليها اليوم، من الأجهزة الطبية إلى السيارات والهواتف النقالة. إذ تسيطر تايوان على سوق صناعة الرقائق الإلكترونية العالمي بنسبة تصل إلى 60%، وتنتج وحدها قرابة 20% من أشباه الموصلات عالميا، ما يجعل أغلب الصناعات المدنية والعسكرية تعتمد عليها بدرجة كبيرة. وتعتمد على هذه الرقائق متناهية الصغر خوارزميات هواتف "آبل" الذكية، وأنظمة اتصالات الجيل الخامس ومراكز معالجة البيانات والأقمار الصناعية التي يعمل بها نظام تحديد المواقع العالمي "جي بي إس". وإذا انقطع هذا الإمداد التايواني عن الشركات والاقتصادات الكبرى، سيتوقف تصنيع أغلب هذه المنتجات.

إعلان

تلك المكانة هي التي دفعت جونسون نحو تبني فرضية أن الصين ستحاصر تايوان على طريقة مضيق هرمز. فقد تابعت بكين عن كثب التداعيات الاقتصادية التي ترتبت على إغلاق المضيق منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكيف تجاوز تأثيرها الاقتصادي بورصات الطاقة العالمية، ووصل إلى "رغيف الخبز"، نتيجة لكون هرمز معبرا رئيسيا للأسمدة النيتروجينية التي تعتمد عليها زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز والذرة. ناهيك عن الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة من النفط والغاز الطبيعي.

"إغلاق مضيق تايوان يمكن أن يؤدي إلى خسائر بقيمة 10 تريليونات دولار في عام واحد، بما يعادل 9.6% من النشاط الاقتصاد العالمي"

هذا التأثير المدوي لإغلاق هرمز، يجعل من حصار مضيق تايوان خيارا جذابا، يمّكن بكين من الضغط العسكري على الجزيرة، وفي الوقت ذاته يهدد اقتصادات العديد من الدول الداعمة لتايبيه إن حاولت التدخل عسكريا، وعلى رأسها الولايات المتحدة. وتشير تقديرات عام 2022 إلى أن خمس التجارة العالمية البحرية تمر عبر مضيق تايوان، ما يقدر بأكثر من 2.45 تريليون دولار، ولذا فإن إغلاقه بحسب جونسون قد يؤدي إلى خسائر بقيمة 10 تريليونات دولار في عام واحد، ما يمثل 9.6% من نشاط الاقتصاد العالمي.

في الوقت ذاته، يعتمد الجيش الأمريكي بنسبة كبيرة في أنظمته الدفاعية على منتجات شركة أشباه الموصلات التايوانية "تي إس إم سي" (TSMC)، بما في ذلك أنظمة المقاتلة الشبحية الأحدث "إف-35" (F-35)، وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في تصنيع الأسلحة، التي تضمن للولايات المتحدة تفوقها العسكري. ومن ثم يضغط هذا السيناريو على نقطة ضعف أمريكية تجعل واشنطن أبرز المتضررين من انقطاع إمدادات الرقائق الإلكترونية.


ثلاثة سيناريوهات لحصار تايوان
في 16 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تفاصيل مشهد لم ير مثله من قبل. فقد اصطف يوم 25 ديسمبر/كانون الأول أكثر من 2000 قارب صيد صغير بالقرب من تايوان، في صفوف متوازية تشكل خطوطا هندسية امتدت لقرابة 290 ميلا بحريا، معرقلة حركة مرور سفن الشحن التجارية، مما أجبرها على الإبحار في مسارات متعرجة.

تكرر الحدث على نطاق أضيق قليلا في 11 يناير/كانون الثاني 2026، بعدما خرج نحو 1400 قارب صيد صغير من الموانئ الرئيسية في الصين، واصطفت في شكل مستطيل امتد حوالي 200 ميل في بحر شرق الصين، لتبدو وكأنها وحدات متناهية الصغر تشكل حائطا لم يشاهد المراقبون الدوليون مثله في الحجم والتنسيق.

عادة ما ينظر إلى قوارب الصيد على أنها مجرد سفن مدنية صغيرة تبحر في مساراتها الدائرية والمتعرجة على أمل أن تصيد بعض الأسماك، إلا أنها في هذه المشاهد تحولت إلى نوع من "المليشيات البحرية" غير النظامية، تموضعت في مواقع ثابتة نسبيا وعرقلت حركة السفن العابرة وفق تعبير أندرو إريكسون، الأستاذ في كلية الحرب البحرية الأمريكية، الذي أشار إلى أن هذا النهج قد يستخدم في أي مواجهة عسكرية محتملة بين الصين وتايوان.

"تستخدم بكين قوارب الصيد الصغيرة كميليشيا بحرية بإمكانها تعطيل حركة سفن الشحن الكبيرة من خلال قدرتها العالية على التجمع والمناورة"

استخدمت الصين في السنوات الأخيرة هذه القوارب لتعزيز قواتها البحرية غير النظامية، ببناء نظام أشبه بـ"المليشيات" البحرية المسلحة وتدريبها على التجمع والمناورة، وربما الاصطدام بالقوارب الأخرى إذا نشبت النزاعات، ما يمنح بكين طرقا مبتكرة لفرض سيطرتها في البحار المتنازع عليها، إلى جانب قواتها البحرية النظامية.

المثير للانتباه هنا كان التنسيق العسكري الفائق، الذي تمكن من السيطرة على آلاف القوارب المدنية الصغيرة، بما يعكس قدرة هائلة على الحشد والتعبئة، يمكن أن تستخدم في عرقلة العمليات العسكرية، وإرباك الرادارات وأجهزة الاستشعار للسفن والطائرات الحربية والمسيرات. وقد اعتبرت هذه التحركات محاكاة لمناورة بحرية قد تنفذ مستقبلا لفرض حصار بحري يعزل تايوان ويقطع خطوط الإمدادات الخارجية عنها.


الصين تستخدم قوارب الصيد لتعزيز قواتها البحرية غير النظامية (الأناضول)
في عام 2024، نشر موقع قوة الصين، التابع لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، سلسلة من التقارير البحثية تناولت عددا من المسارات المحتملة لفرضية شن الصين حصارا بحريا على تايوان، والتي تراوحت شدتها بين التقييد الاقتصادي المحدود، وفرض حصار جزئي أو كامل. ويظهر التقرير كيف يمكن للصين أن تستغل نقاط ضعف تايوان، المتمثلة في كونها جزيرة صغيرة محدودة الموارد الطبيعية، تعتمد على التجارة بشكل كبير وتستورد نحو 70% من غذائها، وقرابة 97% من احتياجاتها النفطية، وذلك لمضاعفة التداعيات المدمرة للحصار وإجبارها على الاستسلام.

"ترتكز عمليات الحصار المشترك على ستة مكونات رئيسية من جيش التحرير الشعبي تعمل بالتكامل"

اعتمدت أغلب هذه السيناريوهات على إستراتيجية "حملة الحصار المشترك"، وهي عملية هجومية تشارك فيها القوات الجوية والبحرية مجتمعة بهدف تطويق الخصم وعزله اقتصاديا وعسكريا عن العالم الخارجي، كما وصف كتاب "علم الحملات العسكرية" الصادر عن جامعة الدفاع الوطني بالصين عام 2006. وترتكز عمليات الحصار المشترك على ستة مكونات رئيسية من جيش التحرير الشعبي، تشمل الأساطيل البحرية والغواصات ومختلف أفرع القوات الجوية، إضافة إلى القدرات الصاروخية التقليدية وقوات الدفاع الساحلي وقوات الدعم، علاوة على التنسيق المعلوماتي وإدخال عناصر من "المليشيات" البحرية الصينية.

إعلان

في كل هذه المسارات، يبرز الدور المحوري الذي ستلعبه قوات إنفاذ القانون البحري المتمثلة في خفر السواحل الصيني (CCG)، لإظهار الحصار على أنه مسألة تتعلق بإنفاذ القانون، وذلك في الوقت الذي تتجه فيه بكين لفرض سيطرتها وإخضاع حركة التجارة الدولية، لإجبار الدول والشركات على التعامل معها باعتبارها السلطة الفعلية على جزيرة تايوان.

"في سيناريو الطوق الحديدي، يرجح أن تشن بكين عمليات هجومية تستهدف أنظمة الدفاع في تايبيه، وتفرض حصارا شاملا على الموانئ الرئيسية قد يستمر لأشهر"

ويتمثل السيناريو الأول والأكثر ترجيحا في شن بكين عمليات هجومية، تستهدف الصين خلالها أنظمة الدفاع في تايبيه، وتفرض حصارا شاملا على كافة الموانئ الرئيسية قد يستمر لعدة أشهر تشهد خلالها الجزيرة فترات قصيرة من الهدن لإتاحة الفرصة للمفاوضات، على أن تستأنف الصين ضرباتها إذا رفضت تايوان الاستسلام، وهو ما يعرف بـ "الطوق الحديدي".

أما السيناريو الثاني، فتعرفه المصادر بمصطلح "الحجر"، وهو تكتيك عسكري يشبه الإجراءات الأمنية المتبعة لمكافحة الجوائح والأوبئة المعروفة بـ"الحجر الصحي"، إذ يستهدف تقييد حركة الملاحة البحرية والجوية في مناطق محدودة، وذلك دون توجيه ضربات عسكرية مباشرة. وفي هذه الحالة ستستخدم بكين أدوات هجينة غير تقليدية لفرض سيطرتها.

أهم هذه الأدوات زرع الألغام البحرية عند مداخل الموانئ لتفجيرها عندما تقتضي الحاجة، إلى جانب شن هجمات سيبرانية لقطع خطوط الاتصالات العسكرية بين تايبيه وحلفائها. وفي هذه الحالة لا يهدف الحجر لعزل تايوان عن العالم بقدر ما يسعى لترسيخ سيطرة الصين عليها، وهنا يبرز دور قوات إنفاذ القانون (خفر السواحل الصيني)، التي ستعمل على تفتيش السفن العابرة ومراجعة أذونات وتصاريح العبور، بغرض إخضاع حركة التجارة الدولية لإرادة بكين.


في هذه الفرضية لن تبدأ القوات الصينية بالهجوم ما لم تتعرض لاعتداء من السفن الحربية التايوانية أو أنظمة دفاعها، وبرغم أن هذه الإستراتيجية قد تجنب بكين احتمالية تدخل الولايات المتحدة عسكريا، فإنها في الوقت ذاته بمثابة مغامرة عسكرية تجعل القوات الصينية البحرية والجوية عرضة للهجوم المضاد، ما ينذر بتفاقم الوضع إلى حد يجبر بكين في النهاية على تطبيق إستراتيجية الحصار الشامل، ويعيدها إلى السيناريو الأول.

يبقى السيناريو الثالث هو الخيار الأكثر سلمية والأقل احتمالا للحدوث بحسب المصادر، فهو يشبه إلى حد كبير السيناريو الثاني في تطبيق إجراءات الحجر، لكنه يستثني مسألة زرع الألغام البحرية، ويطلق عليه "الحظر الرمادي"، لأنه يعتمد بالأساس على إستراتيجيات "المنطقة الرمادية" التي تشمل الحرب النفسية وأساليب الصراع الهجينة.

"لا تزال الولايات المتحدة تحافظ على سياسة الغموض الإستراتيجي فيما يتعلق بمسألة الصين وتايوان"

غير أن هذه الإستراتيجية رغم جاذبيتها قد لا تخضع تايوان بالكامل، ومن ثم ستجد الصين نفسها مضطرة في النهاية للانتقال إلى المواجهة المباشرة، ومن بعدها إلى خيار الحصار الشامل. وقد تقترن إستراتيجيات الحصار بعمليات عسكرية أخرى، مثل الاستيلاء على بعض الجزر التايوانية الصغيرة، ما قد يوفر لبكين انتصارا محدودا، إن لم يسفر الحصار عن استسلام تايبيه.

على الجهة المقابلة، لا تزال الولايات المتحدة تحافظ على سياسة "الغموض الإستراتيجي" فيما يتعلق بمسألة الصين وتايوان، حيث تمتنع عن التصريح عما إذا كانت ستتدخل عسكريا لحماية تايوان إذا وقعت الحرب أو الحصار. وقد سادت تلك السياسة منذ سبعينيات القرن الماضي، وانتقدتها ورقة بحثية نشرها معهد بروكينغز الأمريكي للأبحاث في 20 مارس/آذار 2026، داعية واشنطن لرسم خطوط حمراء واضحة أمام طموحات بكين، والإعراب عن استعدادها للدفاع عن تايوان ضد أي هجوم.

ووفقا للباحث ماثيو توربين، محلل أمني وضابط سابق في الجيش الأمريكي، فإن الظروف الاقتصادية والجيوسياسية والتكنولوجية التي سادت طوال العقود الأربعة الماضية، لا تشبه الوضع الإستراتيجي الراهن، الذي باتت فيه واشنطن وبكين خصمين لدودين، وباتت بكين أقرب لاستخدام القوة العسكرية لمباشرة طموحاتها. وهو ما يتطلب من أمريكا وصف خطوطها الحمراء بدقة لتجنب سوء التقدير الذي يمكن أن يقود إلى صراع دموي لا يمكن تحمل عواقبه.

المصدر: الجزيرة



عدد المشاهدات : (4348)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :