رم - د . مهدي مبارك عبد الله
لم تعد الكراهية الموجهة ضد المسلمين في الولايات المتحدة مجرد تصرفات فردية معزولة بل أصبحت خطابا سياسيا منتشرا يجد له مكانا في منابر التحريض ووسائل الإعلام وحملات الانتخابات التي تستغل المخاوف وتعيد إنتاج صورة نمطية سلبية عن الإسلام والمسلمين
في هذا السياق أثار المرشح لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية فلوريدا جيك لانغ مؤخرا موجة واسعة من الغضب بعد دعواته العلنية إلى استهداف المساجد وإحراقها والتعامل معها كأهداف يجب تدميرها مما اعتبر تحريضا صريحا على العنف وتهديدا لسلامة المجتمع وتصعيدا خطيرا في خطاب الكراهية
هذه التصريحات البغيضة جاءت في اطار أوسع يشهد تزايدا في حوادث الإسلاموفوبيا والاعتداءات على المسلمين في أمريكا حيث تتعرض المساجد للحرق والتخريب ويتم تدنيس المصليات وتتعرض النساء والفتيات المحجبات والأئمة ورواد المساجد للاعتداء والتهديد وتسجيل حوادث عنف متكررة ضد دور العبادة
تقارير مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية المتتالية كير اشارت إلى ارتفاع كبير في شكاوى التحيز والكراهية ضد المسلمين مما يعكس أن الظاهرة لم تعد حادثا عابرا بل أصبحت مشكلة متجذرة في بعض مسارات المجتمع والسياسة والإعلام داهل امريكا
الملاحظ إن خطاب الكراهية لم ينشأ في فراغ بل تغذى على سنين من التركيز الإعلامي والسياسي على ربط الإسلام بالتطرف مما أدى إلى ترسخ صورة سلبية داخل وعي جماهيري واسع وساهم في تطبيع التمييز ضد المسلمين ومع تصاعد هذه الظاهرة بينت الوقائع الأمنية والاجتماعية أن الاعتداءات لم تبقى محصورة في خطاب رمزي بل باتت تترجم إلى أعمال عنف حقيقية تستهدف المساجد والأفراد وتهدد الإحساس بالأمن والأمان لدى شرائح واسعة من المجتمع
تصريحات جيك لانغ المستجدة ليست حالة منفردة بل هي مرآة لبيئة سياسية وثقافية أخطر ما فيها أنها تتساهل مع التحريض وتعيد إنتاج خطاب الاستعلاء والتمييز وإذا لم يواجه ذلك التوجه بموقف حازم ومساءلة قانونية وأخلاقية فإن دوائر الكراهية ستتسع بما يهدد مفاهيم التعايش والسلام الاجتماعي
المشكلة ان خطورة هذا المسار لا تنحصر في البعد الديني فقط بل تمتد إلى تهديد مباشر لبنية الدولة المدنية ذاتها وحين يتحول الخطاب السياسي إلى أداة لتقسيم المواطنين على أساس ديني أو عرقي فإن ذلك يضعف الثقة بالمؤسسات ويقوض مبدأ المواطنة المتساوية ويغذي الاستقطاب الاجتماعي بما يجعل المجتمع أكثر عرضة للتفكك والتوتر الداخلي
من زاوية أخرى إن استمرار التغاضي عن هذه الخطابات يمنح رسائل ضمنية خطيرة بأن استهداف دور العبادة أو التحريض ضد فئة دينية معينة يمكن أن يمر دون محاسبة وهو ما يشجع على تكرار العنف ويخلق حالة من التطبيع مع الكراهية داخل الفضاء الشعبي العام كما يهدد بتحويل الاستثناءات إلى نمط متكرر يصعب احتواؤه لاحقا
امام هذه المخاطر فان مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على الجانب الأمني فقط بل تشمل إصلاح الخطاب الإعلامي والتعليم السياسي وتعزيز ثقافة التعددية داخل المجتمع الأمريكي نفسه لان المعركة هنا ليست ضد أفراد أو تصريحات معزولة بل ضد بنية فكرية تسمح بإعادة إنتاج الكراهية وتبريرها باسم الحرية أو السياسة
ما يشهده المجتمع الأمريكي من تصاعد في خطاب الكراهية والتحريض ضد المسلمين ومقدساتهم يفرض ضرورة وقفة جادة وحازمة أمام انفلات العنصرية التي تغذي الانقسام وتهدد استقرار المجتمع وأمن المواطنين وإن استمرار تساهل السياسات أو ترك المجال للتحريض الإعلامي والانتخابي ينذر بتحول الكراهية إلى سلوك عنف منظم يصيب نسيج المجتمع في الصميم ومن هنا تبرز مسؤولية صناع القرار والمؤسسات التشريعية والقضائية في تجريم التحريض ومحاسبة دعاته ووضع حدود واضحة لحرية التعبير تمنع انحرافها إلى تبرير العنف أو الاعتداء على دور العبادة والمدنيين فحماية التنوع ليست خيارا ثانويا بل ضرورة لضمان بقاء فكرة المجتمع المتعدد الذي تدعيه أمريكا نفسها
ان استمرار التساهل مع الدعوات العنصرية او التغاضي عن تحويل المنابر السياسية والاعلامية الى منصات للتحريض على دور العبادة واستهداف المصلين يفتح الباب واسعا امام انفلات اجتماعي وامني خطير قد لا يقتصر اثره على فئة بعينها بل يطال بنية السلم الاهلي برمتها ويضعف ثقة المواطن بمؤسسات العدالة وحماية القانون
المسؤولية الاولية تقع اولا على عاتق المشرعين وصناع القرار في الولايات المتحدة لوضع حد واضح وصارم لكل اشكال التحريض على الكراهية ومحاسبة كل من يروج لها او يشرعنها تحت اي غطاء سياسي او انتخابي لان حرية التعبير لا يمكن ان تتحول الى ذريعة لتبرير العنف او تهديد حياة الاخرين ومعتقداتهم
لا يمكن ايضا اغفال دور المؤسسات الاعلامية والحقوقية المطالبة اليوم اكثر من اي وقت مضى باستعادة دورها في كبح موجات التجييش والتعميم والعودة الى خطاب عقلاني يفرق بين الدين كقيمة انسانية وبين السلوك المتطرف كظاهرة معزولة بدل اعادة انتاج الصور النمطية التي غذت عبر السنوات مناخات العداء والانقسام
الاهم في هذه الظاهرة المرفوضة ان ضبط جماح العنصرية المنفلتة ليس خيارا اخلاقيا فحسب بل هو ضرورة وجودية لحماية استقرار المجتمع الامريكي ذاته وصون امن مواطنيه بمختلف اديانهم واعراقهم خاصة وان التاريخ اثبت ان المجتمعات التي تتساهل مع بذور الكراهية تدفع لاحقا ثمنا باهظا من امنها ووحدتها وتماسكها الداخلي وعليه فان اللحظة الراهنة تفرض مراجعة جادة وشجاعة للمسار قبل ان تتسع دوائر الاحتقان الى نقطة يصعب احتواؤها وحينها لن يكون الخاسر طرفا بعينه بل المجتمع بأكمله بما فيه من قيم ومؤسسات ومستقبل
ختاما : إن ما يتكشف اليوم داخل المجتمع الامريكي من تصاعد مقلق في خطاب الكراهية واستسهال التحريض ضد المسلمين ومقدساتهم لم يعد شأنا داخليا محضا بل اصبح اختبارا حقيقيا لمدى التزام الولايات المتحدة بقيمها المعلنة عن الحرية والمساواة وسيادة القانون فالدول لا تقاس بما ترفعه من شعارات بل بما تضمنه من حماية فعلية لكل مكوناتها دون تمييز او انتقائية
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]