الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد بين أسطورة الخيانة ووهم التغيير من الداخل


رم -
د . مهدي مبارك عبد الله

منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى لم تتوقف ماكينة الحرب النفسية والإعلامية عن إنتاج روايات صادمة ومتناقضة هدفها الاول خلخلة الداخل الإيراني وإثارة الشكوك داخل بنية النظام والدولة والمجتمع وقد كان أكثر تلك الروايات إثارة للجدل ما نُشر حول الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد واتهامه بصورة مباشرة أو غير مباشرة بأنه كان جزءا من مشروع أمريكي إسرائيلي لإعادة تشكيل السلطة في طهران بعد إسقاط النظام بالقوة أو إضعافه عبر الحرب والاغتيالات والفوضى الداخلية وهي رواية بدت للكثيرين أقرب إلى سيناريو سياسي واستخباراتي معقد منها إلى حقيقة ثابتة قائمة على أدلة دامغة وحقائق صادقة

اللافت في هذه السردية أنها لا تتعلق بشخصية إصلاحية أو ليبرالية أو معارضة تقليدية للنظام الإيراني بل بشخصية عُرفت لعقود طويلة بأنها من أكثر الوجوه الإيرانية تشددا تجاه واشنطن وتل أبيب وأنها ارتبطت رمزيا بالثورة الإيرانية وخطابها الراديكالي وبالبرنامج النووي والتصعيد السياسي مع الغرب خلال سنوات حكمه بين عامي 2005 و2013 ولذلك بدا طرح اسمه بوصفه الرجل البديل لإيران مفارقة سياسية شديدة الغرابة دفعت كثيرين إلى التشكيك في أصل الرواية وأهدافها الحقيقية أكثر من اهتمامهم بتفاصيلها

التقارير الغربية التي استندت بصورة رئيسية إلى ما نشرته صحيفة The New York Times حاولت رسم صورة تقول إن واشنطن وتل أبيب لم تكونا تخططان فقط لضرب المنشآت الإيرانية أو اغتيال القيادات العليا بل كانتا تعملان أيضا على إعداد مرحلة ما بعد الصدمة عبر الدفع بشخصية من داخل النظام تمتلك تاريخا ثوريا وقاعدة شعبية يمكن تسويقها داخليا باعتبارها امتدادا وطنيا لا مشروعا خارجيا مباشرا كما تقول الرواية ايضا بإن الخطة تضمنت إخراج أحمدي نجاد من الإقامة الجبرية بعد استهداف محيط منزله في طهران مع التعويل على خلافاته المتراكمة مع مؤسسات الدولة الإيرانية خلال السنوات الأخيرة

المشكلة الجوهرية في هذه الرواية أنها لم تقدم حتى الآن أي دليل حقيقي وحاسم على أن أحمدي نجاد وافق فعلا على هذا المشروع أو أنه جُنّد استخباراتيا لصالح الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أنه دخل في تنسيق مباشر مع أجهزة غربية أو مع الموساد وكل ما قُدم لا يتجاوز تسريبات وتحليلات ومصادر مجهولة واستنتاجات سياسية بنيت على خلافاته مع النظام الإيراني وعلى بعض تصريحاته الناقدة وعلى تحركاته الخارجية خلال السنوات الأخيرة

عمليا ومنطقيا تبدو فكرة تحول أحمدي نجاد إلى عميل للموساد دفعة واحدة مسألة شديدة الصعوبة من الناحية السياسية والنفسية والتاريخية خاصة وان هذا الرجل لم يكن سياسيا عابرا أو تكنوقراطيا بلا جذور أيديولوجية بل خرج من رحم التيار الثوري المتشدد وارتبط اسمه بأكثر مراحل الصدام الإيراني الأمريكي حدة كما أن تاريخه السياسي كله قام على خطاب المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة والدفاع عن المشروع النووي الإيراني بل إن الغرب نفسه قدّمه لسنوات طويلة باعتباره أحد أخطر رموز ووجوه التشدد الإيراني

ربما يكون الى درجة ما صحيح أن أحمدي نجاد دخل لاحقا في صدامات متكررة مع مراكز القوى داخل النظام الإيراني وأنه انتقد الفساد وبعض بنية السلطة وحتى بعض صلاحيات المرشد إلا أن مثل هذا الخلاف السياسي داخل الأنظمة لا يعني بالضرورة الانتقال إلى مربع الخيانة أو العمالة والتاريخ السياسي مليء بزعماء دخلوا في نزاعات مع أنظمتهم أو مؤسسات دولهم دون أن يتحولوا إلى أدوات استخباراتية لدول معادية ولذلك فإن القفز مباشرة من موقع المعارض الداخلي إلى خانة العميل يكشف قدرا كبيرا من التبسيط والدعاية السياسية

الأهم من ذلك أن الرواية نفسها تتضمن تناقضات واضحة فإذا كان أحمدي نجاد بالفعل عميلا استراتيجيا أو جزءا من مشروع معد مسبقا فلماذا يتم الكشف عن اسمه بهذه السهولة في الإعلام الأمريكي والغربي ولماذا يجري حرقه سياسيا واستخباراتيا بهذه الطريقة وهي مسألة أثارها حتى بعض المحللين الإيرانيين الذين رأوا أن تسريب هذه المعلومات يفتقد للمنطق الاستخباراتي ويخدم بالدرجة الأولى الحرب النفسية وإثارة الشكوك داخل إيران

كما أن السيناريو المطروح نفسه يعكس في جانب منه ذهنية أمريكية وإسرائيلية تقليدية تقوم على الاعتقاد بإمكانية إسقاط الأنظمة المعقدة عبر الصدمة العسكرية والفوضى الداخلية ثم تقديم بديل من الداخل كما جرى التفكير سابقا في دول أخرى مثل فنزويلا لكن التجربة الإيرانية مختلفة تماما والنظام الإيراني ليس مجرد مؤسسة رئاسية يمكن تغيير رأسها بسهولة بل هو شبكة معقدة من المؤسسات العقائدية والأمنية والعسكرية والدينية والسياسية التي تجعل فكرة فرض شخصية واحدة بالقوة الخارجية أمرا بالغ الصعوبة حتى لو كانت تلك الشخصية رئيسا سابقا

كذلك إن الوقائع الميدانية نفسها لا تدعم بصورة قاطعة الرواية المتداولة وحتى مسألة الإقامة الجبرية على أحمدي نجاد لم تكن معلنة رسميا بشكل واضح داخل إيران بل كانت أقرب إلى تضييقات أمنية ورقابة سياسية غير مباشرة كما أن الحديث عن محاولة إسرائيل تحريره عبر قصف محيط منزله يبدو أقرب إلى حبكة استخباراتية درامية منه إلى عملية واقعية يمكن أن تبنى عليها خطة لإدارة دولة بحجم إيران بعد حرب كبرى

أما عن اختفاء أحمدي نجاد عن المشهد خلال فترة الحرب هذا بدوره لا يشكل دليلا حاسما على أي شيء وإيران خلال الحروب والأزمات الأمنية الكبرى عادة ما تفرض إجراءات حماية وعزل على شخصيات سياسية كثيرة سواء كانت موالية أو مختلفة مع السلطة كما أن غياب الرجل إعلاميا قد يكون نابعا من حسابات أمنية أو سياسية أو حتى من رغبته الشخصية في تجنب التورط في صراع بالغ الحساسية

الواضح أيضا أن جزءا مهما من هذه الروايات يخدم هدفا نفسيا مباشرا يتمثل في ضرب الثقة داخل المجتمع الإيراني وفي مؤسسات الدولة عبر الإيحاء بأن الاختراقات وصلت إلى أعلى المستويات في النظام وأن حتى الشخصيات الثورية التاريخية يمكن أن تتحول إلى أدوات للغرب وهي رسالة تستهدف الروح المعنوية أكثر مما تستهدف تقديم معلومات دقيقة وموثقة

على الجانب الاخر لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة وإسرائيل حاولتا بالفعل عبر السنوات الماضية استغلال الانقسامات الداخلية الإيرانية والرهان على شخصيات من داخل النظام السابق أو الحالي لإحداث تغييرات سياسية من الداخل وهذه ليست مسألة جديدة في عالم الصراعات الدولية لكن الفرق كبير بين محاولة الاستغلال السياسي وبين إثبات العمالة والتجنيد الكامل وهو ما لم يثبت حتى اللحظة بحق أحمدي نجاد

الحقيقة الأرجح حتى الآن أن أحمدي نجاد استُخدم اسمه ضمن تصورات أو سيناريوهات غربية وإسرائيلية تتعلق بمرحلة ما بعد الحرب أو بما يسمى اليوم التالي في إيران لكن هذا ذلك لا يعني بالضرورة أنه كان شريكا فعليا في تلك التصورات أو موافقا عليها أو منخرطا فيها بصورة مباشرة فثمة فارق كبير بين أن تكون شخصية قابلة للاستغلال السياسي في نظر خصوم دولتك وبين أن تتحول فعلا إلى عميل يعمل ضد بلده

السؤال الأكثر غموضا وإثارة يتعلق بمصير محمود أحمدي نجاد نفسه وأين اختفى طوال فترة الحرب ولماذا غاب تماما عن المشهد السياسي والإعلامي رغم حساسية المرحلة وكثرة الشائعات التي أحاطت باسمه إذ لم تصدر حتى الآن أي معلومات رسمية إيرانية واضحة تؤكد مقتله أو اعتقاله أو وضعه تحت إقامة جبرية مشددة كما لم يظهر الرجل عبر وسائل الإعلام أو المنصات العامة لنفي الروايات المتداولة أو تأكيدها وهو ما فتح الباب أمام سيل واسع من التكهنات والتفسيرات المتضاربة

هناك من يرى أن أجهزة الدولة الإيرانية فضلت عزله أمنيا وإبعاده عن الأنظار مؤقتا خشية استغلال اسمه ضمن الحرب النفسية والإعلامية التي رافقت المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة بينما يذهب آخرون إلى احتمال تعرضه لإصابة فعلية خلال الضربة التي استهدفت محيط منزله في طهران الأمر الذي فرض عليه الاختفاء والعلاج بعيدا عن الأضواء في حين تتحدث روايات أكثر تطرفا عن احتمال وضعه قيد الاحتجاز غير المعلن أو فرض رقابة صارمة على تحركاته واتصالاته غير أن جميع هذه الفرضيات تبقى حتى اللحظة بلا أدلة قاطعة أو بيانات رسمية موثوقة وما يعزز فرضية الحرب النفسية أن الغموض المقصود حول مصير نجاد قد يكون بحد ذاته جزءا من معركة الرسائل المتبادلة حيث إن ترك شخصية بحجمه في دائرة الالتباس يتيح لكل طرف توظيف اسمه بما يخدم روايته السياسية والاستخباراتية دون الحاجة إلى تقديم حقائق حاسمة للرأي العام

هذه القضية تكشف مرة أخرى حدود الرهان على مشاريع تغيير الأنظمة عبر القوة العسكرية أو الفوضى الداخلية والتجارب الدولية خلال العقود الأخيرة أظهرت أن إسقاط الدول المعقدة وإعادة تشكيلها ليس عملية سهلة أو مضمونة كما تتصور بعض مراكز القرار الغربية إذ إن بنية الدولة الإيرانية السياسية والأمنية والعقائدية تجعل فكرة فرض قيادة جديدة من الخارج أمرا شديد التعقيد مهما بلغت الضغوط أو حجم الاختراقات والاضطرابات الداخلية

ختاما : إن التعامل مع هذه القضية بعقل بارد ومنهج تحليلي صارم يبقى ضرورة لأن المنطقة تعيش واحدة من أعنف حروب السرديات والمعلومات والتضليل في تاريخها الحديث حيث تختلط الوقائع بالإشاعات وتتداخل العمليات النفسية مع التسريبات الإعلامية ويصبح الهدف الأساسي ليس فقط كسب المعركة العسكرية بل كسر الثقة داخل المجتمعات والدول والأنظمة ومن هنا فإن اتهام شخصية بحجم أحمدي نجاد بالخيانة أو العمالة يحتاج إلى أدلة حقيقية لا إلى تسريبات سياسية وإعلامية قد تكون جزءا من معركة أكبر عنوانها إنهاك إيران من الداخل قبل أي شيء آخر

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]





عدد المشاهدات : (605)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :