رم - *بقلم: عمر الدريني*
*أيامٌ لا تُغيّر ما حول الإنسان فقط بل تُعيد تشكيل ما بداخله*
ليست كلُّ النعم تُرى بالعين.
فهناك أشياء تمرّ في حياة الإنسان بهدوء، لكنها تترك أثرًا عميقًا لا يُرى بسهولة؛ كطمأنينةٍ مفاجئة، أو رغبةٍ صادقة في الدعاء، أو إحساسٍ خفيف بأنّ القلب بدأ يهدأ بعد طول اضطراب.
وفي زحام الحياة اليومية، قد ينشغل الإنسان كثيرًا حتى يبتعد تدريجيًا عن صوته الداخلي دون أن ينتبه، فيصبح أقرب إلى الحركة منه إلى السكينة، وأقرب إلى الانشغال منه إلى المعنى.
ومن رحمة الله بالإنسان أن جعل له مواسم يعود فيها إلى نفسه قبل أن يعود إلى دنياه، ومن أعظم هذه المواسم العشر الأوائل من ذي الحجة؛ الأيام التي لا تمرّ كغيرها، بل تقترب فيها الرحمة من القلوب بطريقة مختلفة، وكأنّ في الهواء شيئًا يدعو الإنسان إلى التوقف قليلًا ومراجعة داخله.
في هذه الأيام، لا يتغير العالم من حول الإنسان كثيرًا، لكن ما يتغير هو نظرته هو للعالم.
فالأشياء نفسها تبدو أخفّ، والقلب أكثر استعدادًا للهدوء، والروح أكثر قابلية للعودة.
ولأنّ لهذه الأيام مكانةً عظيمة، أقسم الله بها في كتابه الكريم فقال:
*﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾*
وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أنّ المقصود بها عشر ذي الحجة.
وحين يُقسم الله بزمنٍ ما، فإنّ في ذلك دلالةً على عظمته، وعلى ما فيه من نفحاتٍ ورحمةٍ وفرصٍ لا تتكرر بنفس الشكل.
وفي الحديث الشريف، قال النبي ﷺ:
*“ما من أيامٍ العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله من هذه الأيام.”*
رواه البخاري.
وهذا الحديث لا يتحدث عن فضلٍ عابر، بل عن حالةٍ خاصة من القرب الإلهي، يُفتح فيها باب الطاعة على اتساعه، ويصبح للعبادة أثرٌ أعمق في القلب من المعتاد.
وفي زمنٍ يمتلئ فيه الإنسان بالضجيج والسرعة، تأتي هذه الأيام وكأنها مساحة هدوءٍ إلهية، تمنح الروح فرصةً لالتقاط أنفاسها من جديد.
فلا عجب أن يشعر كثيرون خلالها برغبةٍ مختلفة في الصلاة، أو ميلٍ غير معتاد للدعاء، أو إحساسٍ داخلي بالسكينة دون سبب ظاهر.
إنها نفحاتٌ تمرّ على القلوب، ولا يلتقطها إلا من كان قلبه حاضرًا ولو قليلًا.
والأجمل في هذه الأيام أنّ الطريق إلى الله فيها واسع ومتعدد، فلا يُطلب من الإنسان شكلٌ واحد من العبادة، بل يُترك له بابٌ يناسبه: فهذا يقترب بالذكر، وذاك بالصدقة، وآخر ببرّ والديه، ورابع بصلاةٍ خاشعة، وقد ينجو إنسانٌ فقط لأنه صدق مع نفسه في لحظة توبة.
ثم يأتي يوم عرفة، اليوم الذي يبدو وكأنه مساحة رحمةٍ مفتوحة على الأرض.
يقف الحجاج على صعيدٍ واحد، بلا ألقاب ولا تمايز، وكأنّ الدنيا كلها تتجرد من تفاصيلها لتعود إلى بساطتها الأولى: عبادٌ يرجون رحمة الله وحده.
وقد قال النبي ﷺ:
*“أحتسب على الله أن يُكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده.”*
رواه مسلم.
وهذا المعنى وحده كافٍ ليُدرك الإنسان حجم الرحمة التي يفتحها الله في هذا اليوم، حيث تتحول الطاعة البسيطة إلى بابٍ واسع للمغفرة.
ثم يأتي عيد الأضحى، حاملًا معنى أعمق من الاحتفال؛ إنه درسٌ في التسليم والثقة، حين قدّم إبراهيم عليه السلام طاعة الله على كل شيء، فصار موقفه رمزًا خالدًا لمعنى الإيمان حين يبلغ ذروته.
وفي هذا المشهد تتجلى فكرة مهمة:
أن الإيمان الحقيقي لا يظهر في الكلام، بل في اللحظات التي يختبر فيها القلب مدى ثقته بالله.
وفي عالمٍ سريع التغير ومليء بالقلق، تبدو هذه المواسم كأنها محاولة رحيمة لإعادة التوازن إلى الإنسان، الذي قد ينهكه الانشغال أكثر مما ينهكه التعب نفسه.
ولعلّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تمرّ هذه الأيام دون أثر؛ دون لحظة صدق، أو دعاء، أو استغفار، أو محاولة حقيقية لإصلاح الداخل.
فالمسألة ليست في انتهاء الموسم، بل في أن ينتهي دون أن يتغير شيء في القلب.
لهذا، فإنّ العشر الأوائل من ذي الحجة ليست مجرد أيامٍ مباركة، بل فرصة هادئة تمنح الإنسان إمكانية العودة، وإعادة بناء علاقته مع الله ومع نفسه.
هي أيام قد لا تغيّر العالم، لكنها قادرة على أن تغيّر الإنسان من الداخل، وحين يتغير الداخل بصدق، يبدأ كل شيء آخر في التغير معه.