بين بساطة الفكرة وعمق الأثر: كيف يختزل الشعار الهوية البصرية؟


رم -

في عالم تتنفس فيه حاسة البصر، مزدحم بالعلامات التجارية وتتسابق لخطف انتباه العملاء ولو لأجزاء من الثانية، لم يعد الشعار الــــ (Logo) مجرد عنصر تصميمي يوضع أعلى الصفحة (ترويسة) أو لتزيين واجهة مبنى الشركة، إن الشعار اليوم هو بمثابة رأس الحربة في الهوية البصرية، والخطاف الوجداني الذي يربط المؤسسة بجمهورها باعتباره اختصارًا بصريًا لهوية كاملة ليمثل الكلمة الأولى في حوار صامت يدور بين العلامة التجارية وعقل العميل، ومن هذا المنطلق الشعارات الناجحة لا تُقاس بعدد الألوان أو تعقيد الرسومات، بل بقدرتها على البقاء داخل الذاكرة، وقد يكفي أن يرى الإنسان شكلًا بسيطًا أو حرفًا معينًا حتى يتذكر شركة كاملة، وتجربة كاملة، ولربما شعورًا بأكمله، وهنا تحديدًا تكمن قوة الشعار الملفت.


الرابط بين شعار الشركة وهويتها البصرية رابطة الروح بالجسد فالهوية البصرية ليست مجرد ألوان عشوائية بل هي منظمة متكاملة تتضمن الخطوط، الألوان، طريقة التصوير، وحتى أسلوب التغليف في هذه المنظومة، كون ان الشعار يعد النواة المركزية، فإذا كانت الهوية البصرية هي شخصية الشركة الكاملة وطريقة هندامها، فإن الشعار هو "الوجه" الذي تعرف به، ومن أبرز الأخطاء الشائعة التي تقع فيها العديد من المؤسسات حين تتعامل مع تصميم شعار الشركة باعتباره مسألة تقديرية او اجتهادية يحكمها الذوق العام وهو بالواقع قرار استراتيجي يختزل فلسفة المؤسسة بالكامل في مساحة لا تتعدى سنتيمترات مربعة، ليغرس أول انطباع يُبنى قبل أن يقرأ العميل أي كلمة عن الشركة أو يلمس أي من خدماتها، وبهذا يكون الشعار الشعلة التي تستدعي كافة قيم المؤسسة بمجرد رؤيته.


لكن المفارقة، أن أكثر الشعارات نجاحًا في العالم ليست بالضرورة الأكثر تعقيدًا، بل الأكثر بساطة ووضوحًا. فالعقل البشري يتذكر ما هو سهل وسريع وقابل للتمييز؛ لذلك أصبحت العديد من الشركات العالمية تميل إلى الشعارات النظيفة والخفيفة بصريًا، لأن الهدف لم يعد إبهار العين للحظات، بل بناء علاقة طويلة مع الذاكرة، باعتبار ان الذاكرة البشرية تعمل بطريقة انتقائية وميالة للاقتصاد في الجهد المعرفي، والقوة الحقيقية لأي شعار تكمن في البساطة التي تؤدي الى سهولة تذكرة، وهذا يقودنا الى الشعارات الراسخة في الاذهان التي لم يستعرض فيها المصممون مهاراتهم في الرسم المعقد، بل هي تلك التي تم تجريدها حتى وصلوا لأقصى درجات البساطة، اضف لذلك ضرورة ارتباط الشعار بشكل مباشر للنشاط او الحقل الذي تعمل فيه المؤسسة وهو ليس مطلوب منه ان يعبر عن كل شيء لكن يجب ان يخلق حالة من الانسجام بين ما تراه العين وما تقدمه المؤسسة على ارض الواقع، وعلى سبيل الاستطراد تعتبر الخطوط الحادة والزوايا المستقيمة التي تمنح شعوراً بالصلابة والأمان وهو ما تبحث عنه المؤسسات المالية والهندسية بينما الخطوط الانسيابية والمنحنية التي تعكس الرشاقة والابتكار والتحول وهو ما يناسب شركات التكنولوجيا والخدمات الذكية، وفيما يتعلق بالألوان فليست مجرد زينة فالأزرق يهمس بالثقة، والأخضر ينبض بالنمو والاستدامة، والأحمر يتدفق بالطاقة والشغف، وحين يتناغم التصميم مع طبيعة العمل ضمن اطار استراتيجي محكم هنا يحدث الانسجام الذهني لدى العميل، فلا يجد فجوة بين ما يراه بصرياً وما يلمسه عملياً من منتجات سلع او خدمات.


بنهاية المطاف إن العمل على بناء الشعار ليس مرحلة عابرة في تأسيس الشركات، بل هو قرار استراتيجي يمتد لسنوات قادمة ولأجيال لاحقة، لاسيما في عصر المنصات الرقمية حيث ازدادت أهمية الشعارات أكثر من أي وقت مضى، فالشركات التي تبحث عن الريادة والمستقبل لا تصمم شعاراتها لتواكب الحاضر فقط، ولكن تصنع ملامح بصرية يسهل حفظها، وتعبّر بصدق عن هويتها ونشاطها ليمثل أصل بصري طويل الأمد، لأن الشعار الحقيقي لا يعيش فوق الورق بل في ذاكرة العميل.
د. علاء عباس الطهراوي




عدد المشاهدات : (708)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :