رم - بقلم: عمر الدريني
كيف تحوّلت الوفرة إلى فراغ داخلي في العصر الرقمي ؟
لم يعد النقص هو مشكلة الإنسان الحديث.
بل المشكلة أنه يملك كثيرًا… ولا يشعر كثيرًا.
يمتلك المعلومات، لكنه لا يشعر باليقين.
يمتلك الوسائل، لكنه لا يشعر بالقدرة.
يمتلك الخيارات، لكنه لا يشعر بالاتجاه.
ويمتلك العالم بين يديه، لكنه لا يشعر أنه يملكه فعلًا.
كأن الوفرة نفسها تحولت إلى شكل جديد من الفقد.
في الماضي، كان الإنسان يبحث عن الأشياء لأنه يفتقدها.
ماء.
طعام.
معلومة.
فرصة.
أما اليوم، فقد أصبحت الأشياء متاحة إلى حدّ فقدان معناها.
قال الله تعالى:
﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾
وفي هذا المعنى تذكير بأن الوفرة الحقيقية ليست في كثرة ما نملك، بل في قدرتنا على إدراك قيمته.
لكن الإدراك نفسه بدأ يضعف في عالمٍ مزدحم بكل شيء.
في الاقتصاد الحديث، لم تعد المشكلة في قلة العرض، بل في فائض العرض.
كل شيء متاح.
كل شيء سريع.
كل شيء قريب.
لكن الإنسان، رغم هذا، يشعر بندرة داخلية لا يفسرها.
قال النبي ﷺ:
«ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»
وهذا الغنى الداخلي هو ما يبدو أنه يتراجع في زمن الوفرة المادية والرقمية.
في العالم الرقمي، لا يوجد نقص حقيقي في المحتوى.
فيديوهات لا تنتهي.
مقالات لا تنقطع.
صور لا تتوقف.
أخبار تتدفق بلا حدود.
لكن المشكلة أن كثرة المدخلات تُضعف الإحساس بكل مدخل على حدة.
كل شيء سريع، لذلك لا شيء عميق.
كل شيء متاح، لذلك لا شيء يُشبع طويلًا.
كل شيء متجدد، لذلك لا شيء يبقى.
قال أحد الحكماء:
“حين يصبح كل شيء متاحًا… يفقد الإنسان شهيته للمعنى.”
وهذا ما يحدث تدريجيًا في الوعي الحديث.
في السابق، كان الوصول إلى الشيء يتطلب جهدًا، ولذلك كان له قيمة.
أما اليوم، فالسهولة خفّضت قيمة التجربة دون أن تقلل من كثرتها.
في العلاقات، في المعرفة، في الترفيه، في العمل، نفس النمط يتكرر:
وفرة كبيرة.
لكن أثر محدود.
وهنا يظهر سؤال خفي:
هل الإنسان يحتاج إلى المزيد فعلًا؟
أم أنه يحتاج إلى قدرة أكبر على الإحساس بما لديه؟
قال الله تعالى:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾
وفي هذا المعنى إشارة دقيقة إلى أن الوفرة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى وعي يحولها إلى معنى.
لكن الإنسان الحديث يعيش في حالة تشبع مستمر لا يتحول إلى امتلاء داخلي.
يشاهد كثيرًا، لكنه لا يتذكر كثيرًا.
يستمع كثيرًا، لكنه لا يتأمل كثيرًا.
يجرّب كثيرًا، لكنه لا يتغير كثيرًا.
قال النبي ﷺ:
«من أصبح منكم آمنًا في سربه… فكأنما حيزت له الدنيا»
لكن حتى هذا الإحساس البسيط بالأمان لم يعد يُدرك بسهولة وسط كثافة الانشغال والضجيج.
في النهاية، لا يبدو أن المشكلة في قلة ما نملك.
بل في طريقة وجوده في حياتنا.
فالأشياء حين تكثر دون وعي… تفقد قدرتها على أن تُشعرنا بأنها موجودة أصلًا.
ربما لم يعد الإنسان يحتاج إلى المزيد من العالم، بل إلى عودة الإحساس به.