الإعلام الكارزمي .. حين يصنع الوعي ويهزم الشائعة :


رم - الإعلامي الدكتور نسيم أبو خضير
لم يعد الإعلام في هذا العصر مجرد وسيلة لنقل الخبر أو عرض الحدث ، بل أصبح قوة هائلة تؤثر في العقول ، وتوجه الرأي العام ، وتسهم في صياغة القرارات السياسية والإجتماعية والإقتصادية . فالإعلام اليوم لم يعد “السلطة الرابعة” ، بل تجاوز في تأثيره حدود السلطات كلها ، ليصبح السلطة الأكثر قدرة على التأثير في الجمهور ، وتشكيل قناعاته ، وتحريك مشاعره ، وبناء مواقفه .
وفي زمن الفضاء الرقمي المفتوح ، والتدفق الهائل للمعلومات ، أصبح الخبر يجوب العالم في ثوانٍ ، وأصبحت الشائعة أيضاً قادرة على التسلل إلى العقول والبيوت والهواتف بسرعة خطيرة ، ما لم يكن هناك إعلام وطني مهني صادق يقف سداً منيعاً في وجه التضليل والتشويه والتأويل الخاطئ .
فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الحدث ، بل يقوم بتفسيره وتوضيحه ووضعه في سياقه الصحيح ، لحماية المجتمع من الإرتباك والفوضى والإنجراف خلف الأصوات المجهولة والحسابات الوهمية التي تبث السموم وتصطاد في المياه العكرة .
إن خطورة الشائعات لا تكمن في كذبها فقط ، بل في قدرتها على زرع الخوف والإحباط وفقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته . وهنا يبرز دور الإعلام الوطني الحر المسؤول الذي يواجه الشائعة بالحقيقة ، ويواجه التضليل بالوعي ، ويواجه الفتنة بالعقل والحكمة .
ولعل أخطر ما يواجه الإعلام اليوم هو إختلاط المفاهيم لدى البعض ، حتى بات كل من يمتلك حساباً على مواقع التواصل الإجتماعي يعتقد أنه إعلامي أو مؤثر في الرأي العام . والحقيقة أن التأثير الحقيقي لا يقاس بعدد المتابعين ولا بحجم الضجيج والإثارة ، وإنما بمدى المصداقية والثقة والقبول لدى الناس .
وليس المقصود بالمؤثرين تلك الفئة من طالبي الشهرة الذين يسعون إلى لفت الأنظار ولو بالتضليل والإثارة والتهريج وصناعة الجدل الرخيص ، لأن هذا النوع من الحضور قد يحقق إنتشاراً مؤقتاً لكنه لا يصنع وعياً ولا يبني مجتمعاً ولا يحترم عقول الناس .
فالتأثير الحقيقي يأتي من الشخصية الإعلامية المؤثرة المقبولة لدى الجمهور ، تلك الشخصية التي تمتلك الثقافة والإتزان والكاريزما والمهنية والقدرة على مخاطبة الناس بإحترام ووعي ومسؤولية .
إن الإعلام المؤثر لا يصنعه الصراخ ، ولا العبارات المستفزة ، ولا الشخصيات الهزلية التي تبحث عن الترند بأي ثمن ، بل يصنعه الإعلامي الذي يدرك أن الكلمة أمانة ، وأن الخبر مسؤولية وطنية وأخلاقية ، وأن دوره لا يقتصر على نقل المعلومة بل يتعداه إلى حماية الوعي العام وتعزيز الإنتماء الوطني .
فالشخصية الإعلامية الكارزمية تمنح الجمهور شعوراً بالثقة والإطمئنان ، لأنها تبني حضورها على المعرفة والخبرة والمصداقية ، لا على الإستعراض والمبالغة . وهي شخصية تدرك أن الإعلام رسالة سامية ، وأن الكلمة الصادقة قد ترفع من معنويات وطن بأكمله ، بينما قد تؤدي الشائعة أو المعلومة المضللة إلى إرباك مجتمع كامل.
وحين يكون الإعلام وطنياً صادقاً ، فإنه يسهم في حماية الوطن ، ويرفع معنويات المواطنين ، ويعزز الثقة بالمؤسسات ، ويوحد الصف في مواجهة التحديات .
أما الإعلام الفوضوي الذي يبحث فقط عن الإثارة والسبق الزائف ، فإنه قد يهدم ما تبنيه المؤسسات في سنوات طويلة .
إن الوطن اليوم بحاجة إلى إعلاميين يشبهون الوطن في صدقهم وثباتهم وإنتمائهم ، لا إلى باحثين عن الأضواء على حساب الحقيقة . فالكلمة الصادقة تبني وطناً ، والشائعة قد تهز مجتمعاً بأكمله ، والإعلام الواعي يبقى خط الدفاع الأول عن العقل والحقيقة والوطن .



عدد المشاهدات : (4031)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :