د. مهدي مبارك عبد الله
الكثيرون من الخبراء السياسيين والعسكريين يجمعون على ان الحرب على إيران لم تكن قراراً عسكرياً صرفاً بقدر ما كانت لحظة تداخل معقد بين الطموح السياسي المفرط والاندفاع الشخصي المتهور وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في الشرق الأوسط حيث التقت حسابات رجلين متغطرسين عند نقطة اشتعال واحدة أحدهما كان يسعى لتصفية تهديد استراتيجي مزمن والآخر يبحث عن نصر خاطف يعيد صياغة صورته كصانع حاسم للأحداث لا كزعيم متردد
في قلب البيت الأبيض لم يكن اللقاء بين نتنياهو وترامب قبل اعلان الحرب عادياً ولا بروتوكولياً بل كان أقرب إلى عملية إقناع مركزة جرت خلف الأبواب المغلقة حيث دخل نتنياهو محملاً برواية جاهزة عن فرصة تاريخية لا تتكرر وقدم نفسه كمن يمتلك مفتاح إسقاط خصم مهم طالما استعصى على الضربات التقليدية مستفيداً من لحظة سياسية اعتقد فيها أن إيران باتت مكشوفة أكثر من أي وقت مضى .
العرض المضلل الذي قُدمه نتنياهو حينها لم يكن مجرد قراءة استخبارية بل كان سردية مكتملة العناصر الوهمية تقوم على وعود نصر سريع وتكلفة محدودة ونتائج استراتيجية كبرى تم تسويقها بلغة حاسمة تستهدف غريزة الحسم السريع المحببة لدى ترامب حيث جرى تصوير العملية كضربة نظيفة قادرة على تفكيك القدرات العسكرية الإيرانية وفتح الطريق أمام تغيير داخلي يقلب موازين المنطقة بالكامل
غير أن ما لم يُعرض بالقدر ذاته هو حجم المخاطر الحقيقية فبينما كانت بعض التقديرات داخل المؤسسات الأمريكية ترى أن أجزاء كبيرة من هذا التصور تفتقر إلى الواقعية كان الإيقاع الذي فرضه نتنياهو أسرع من أن يسمح بتبلور اعتراض صلب حيث تم تضييق دائرة النقاش وتسريع القرار في بيئة تميل أصلاً إلى تفضيل الحسم على التردد
لحظة التوريط الحقيقية رسمت ورتبت بدقة وترامب لم يُدفع فقط بالمعلومات بل بالتصور النفسي للعملية كفرصة نادرة لتحقيق إنجاز تاريخي دون الغرق في مستنقع حرب طويلة وهي الفكرة التي تتكرر كثيرا في سلوك الرجل السياسي حيث يميل إلى رهانات عالية المخاطر قائمة على توقع نتائج سريعة وحاسمة وقد لعب نتنياهو على هذا الوتر بدقة وبدلاً من إقناع مؤسسة كاملة أقنع الرجل الأكبر تأثيراً داخلها مستفيداً من تقاطع غير مسبوق بين تشدد أيديولوجي ورغبة شخصية في تحقيق انتصار كبير يضاف إلى سجل سياسي يبحث دائماً عن لحظات استثنائية
في المقابل بدت أصوات التحذير داخل اروقة الإدارة الامريكية خافتة أو مترددة وبعضها شكك في إمكانية تحقيق تغيير داخلي في إيران وبعضها حذر من كلفة الحرب وتداعياتها الإقليمية لكن هذه التحفظات لم تتحول إلى جدار صد حقيقي بل بقيت ضمن حدود التقدير الفني الذي لا يملك القدرة على تعطيل القرار السياسي عندما ينضج ويصبح قناعة شخصية
ما جرى لم يكن مجرد خدعة مموهة بقدر ما كان تلاقي إرادتين إحداهما تدفع نحو الحرب والأخرى مستعدة لتصديق إمكانية الانتصار السريع وهو ما جعل القرار النهائي يبدو وكأنه خيار ذاتي رغم أنه في جوهره نتاج عملية دفع ذكية ومكثفة والنتيجة أن الولايات المتحدة دخلت مواجهة مفتوحة لم تكن كل سيناريوهاتها محسوبة بدقة حيث تحولت الوعود إلى اختبارات قاسية على الأرض وبدأت الفجوة تظهر بين التصور النظري والواقع العملياتي وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري حول حدود التأثير الشخصي في صناعة القرار الاستراتيجي ضمن مفهوم الامن القومي
الملاحظ ان البعد الاستخباري لم يكن وحده هو ما رجّح كفة القرار بل تداخل معه عامل اقتصادي واستراتيجي أكثر عمقًا يتعلق بإعادة تشكيل سوق الطاقة العالمي حيث تنظر واشنطن إلى خنق الصادرات الإيرانية بوصفه وسيلة لإعادة ضبط توازنات السوق العالمية وإضعاف خصومها الدوليين وعلى رأسهم الصين التي استفادت لسنوات من النفط الإيراني منخفض التكلفة بهذا المعنى لم تكن الحرب مجرد استجابة لتهديد أمني بل جزء من صراع أكبر على موارد الطاقة وخطوط الإمداد العالمية وهو ما جعل القرار يتجاوز حدود الحسابات العسكرية الضيقة إلى رهانات جيوسياسية واسعة النطاق
الرهان على انهيار داخلي سريع في إيران عكس قراءة مضللة لطبيعة الأنظمة التي تواجه تهديدًا وجوديًا حيث تميل هذه الأنظمة تاريخيًا إلى التماسك لا الانهيار تحت الضغط الخارجي وهو ما يجعل أي استراتيجية تقوم على فرضية السقوط السريع أقرب إلى المغامرة غير المحسوبة ومع اتساع رقعة المواجهة وتعدد ساحاتها يصبح من الصعب احتواء تداعياتها أو التحكم بمساراتها ما يضع الولايات المتحدة أمام سيناريو استنزاف طويل يتناقض تمامًا مع الفكرة الأصلية التي تم تسويقها عن حرب خاطفة سريعة الحسم
يذكر ان الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في مقابلة له مع مجلة نيويوركر مؤخرا كشف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لجأ مع ترامب إلى الحجج ذاتها التي حاول إقناعه بها قبل أكثر من عقد لدفعه نحو شن حرب على إيران حيث قال إنه لم يكن مقتنعا يوما بأن الخيار العسكري ضد إيران كان كفيلا بمعالجة التهديدات الحقيقية التي يشكلها النظام الإيراني واضاف اوباما بان الولايات المتحدة حتى بعد ضربها إيران لا تزال تجد نفسها أمام المعادلات الصعبة ذاتها التي طالما انتقد فيها ترامب الاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما عام 2015 وتساءل بنبرة لا تخلو من الشك عما إذا كان نتنياهو بعد نجاحه في إقناع ترامب بضرب إيران قد حصل على ما أراد كما شكك بان يكو نتنياهو هو الرجل الافضل للشعب الاسرائيلي واضاف أن سجل خلافاتي مع السيد نتنياهو يتحدث عن نفسه
في الخاتمة يمكن القول ان نتنياهو لم يورط ترامب في التسرع بدخول المواجهة مع ايران فقط بل كشف أيضاً هشاشة لحظة القرار عندما تختزل في دائرة ضيقة ويُستبدل فيها التقدير البارد بالحسابات الغريزية وعندها لا تكون الحروب نتيجة ضرورة حتمية بل نتيجة قناعات تم بناؤها بعناية في توقيت محسوب بأهداف مبيته والغريب ان إدارة ترامب نفت مرارا أن تكون إسرائيل أدّت دورا محوريا في قرار شن عملية الغضب الملحمي كما نفى نتنياهو هو الآخر ذلك
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |