الإِيمَانُ بِالْوَطَنِيِّ وَالْكُفْرُ بِالْمُرْتَدِّ


رم - بِقَلَمِ: دكتور يُوسُف عُبَيْدِاللَّه خُرَيْسَات
كَانَ يَظُنُّ أَنَّ الطَّرِيقَ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ “النَّيْفِ” عَلَى الْمَوَاقِفِ، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْهَتَافِ قَدْ تَمْحُو مَاضِيًا سَكَنَ أَلَمُهُ فِي وِجْدَانِ الْمُخْلِصِينَ. فَعِنْدَمَا ضَاقَتْ بِهِ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ مِنَ الْجِهَاتِ الأَرْبَعِ، عَادَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالنَّشِيدِ “مَوْطِنِي” أَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ النَّشِيدِ أَنْفُسِهِمْ، كَأَنَّ الْوَطَنَ طَوَى ذَاكِرَتَهُ عِنْدَ أَوَّلِ ارْتِجَافَةِ صَوْتٍ، وَمَعَ أَوَّلِ دَمْعَةِ اعْتِذَارٍ. صَارَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَفَاءِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْخُصُومَةِ، وَعَنِ الْحِكْمَةِ بَعْدَ مَوَاسِمَ مِنَ النَّقْدِ وَالْقَدْحِ، كَأَنَّ الأُرْدُنَّ لَا يَحْفَظُ الْوُجُوهَ وَلَا يَعْرِفُ الأَقْنِعَةَ، وَلَا يَفْهَمُ كَيْفَ كَانَ “الطَّوْرُ” يَتَغَيَّرُ كُلَّمَا تَغَيَّرَتِ الاتِّجَاهَاتُ.
لَكِنَّ الْمُتَسَلِّقَ الَّذِي ارْتَدَى عَبَاءَةَ الشَّيْطَانِ لَمْ يُدْرِكْ أَنَّ الأُرْدُنَّ وَطَنٌ يَعِيشُ عَلَى التَّارِيخِ، وَفِي التَّارِيخِ، وَيَصْنَعُ التَّارِيخَ. فَالأُرْدُنُّ قَدْ يَصْفَحُ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الضَّغِينَةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُسَلِّمُ مَفَاتِيحَهُ لِمَنْ جَعَلَ الْمُعَارَضَةَ مِهْنَةً، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ الْوَطَنِيَّةَ طَرِيقًا سَهْلًا يَسِيرُ فِيهِ نَحْوَ هَدَفٍ مُحَدَّدٍ. فَفِي الأُرْدُنِّ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ الأَيْدِي وَمِنْ خَلْفِهَا، تَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُرَاجَعَةِ الصَّادِقَةِ وَالانْحِنَاءَةِ الْمُؤَقَّتَةِ أَمَامَ أَبْوَابِ الْمَصَالِحِ، وَهِيَ تُدْرِكُ أَنَّ مَنْ تَعَوَّدَ عَلَى تَبْدِيلِ “الأَطْوَارِ” مَرَّةً لَنْ يَتَرَدَّدَ فِي تَبْدِيلِهَا كُلَّمَا تَبَدَّلَتِ الْجِهَاتُ وَتَعَاقَبَتِ الْفُرَصُ.
فَلَسْتُ أَرْوِي حِكَايَةَ رَجُلٍ عَادَ يَطْلُبُ الرِّضَا، وَإِنَّمَا حِكَايَةُ مَنْهَجٍ كَامِلٍ يَحَاوِلُ أَنْ يَجْعَلَ الرِّدَّةَ عَنِ الْوَطَنِيَّةِ بَابًا مَشْرُوعًا يَدْخُلُهُ الْمُرْتَدُّونَ. وَمَنْهَجٌ يَقُومُ عَلَى “النَّيْفِ” فِي الادِّعَاءِ الْوَطَنِيِّ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي إِظْهَارِ الْوَلَاءِ سَاعَةَ الْحَاجَةِ. وَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِلنَّاسِ: خَاصِمُوا وَطَنَكُمْ كَمَا تَشَاؤُونَ، ثُمَّ عُودُوا عِنْدَمَا تَحْتَاجُونَ شَيْئًا، وَاهْتِفُوا لِلنَّشِيدِ أَكْثَرَ قَلِيلًا، وَسَتُفْتَحُ الأَبْوَابُ وَتُعَادُ لَكُمُ الطُّرُقُ. وَعِنْدَمَا يَنْجَحُ هَذَا النَّمُوذَجُ، فَإِنَّهُ سَيَفْتَحُ بَابًا لَا يُغْلَقُ، وَيَمْنَحُ شَرْعِيَّةً لِكُلِّ مَنْ يُبَدِّلُ ثَوْبَهُ السِّيَاسِيَّ بِحَسَبِ الْفُصُولِ الأَرْبَعَةِ، لِيَبْقَى الْفَصْلُ الْوَطَنِيُّ فَصْلًا خَامِسًا حَائِرًا بَيْنَهَا.
فَتَبًّا لِمَنْهَجٍ يَجْعَلُ الْوَلَاءَ أَدَاةَ كَسْبٍ وَرِبْحٍ وَخَسَارَةٍ. فَالأُرْدُنُّ لَا يَحْمِيهِ الَّذِينَ يَرْتَدُّونَ عَنْهُ وَيَعِيشُونَ عَلَى الْكُفْرِ الْوَطَنِيِّ خَارِجَ الْبِلَادِ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ تَبْدَأُ لَدَيْهِمْ رِحْلَةُ الإِيمَانِ وَالْقَدَاسَةِ وَرِفْقَةِ الصَّحَابَةِ عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ. فَلَا يَحْمِي الأُرْدُنَّ إِلَّا أُولَئِكَ الَّذِينَ بَقُوا فِي الْمَيْدَانِ عِنْدَمَا تَعْصِفُ الرِّيَاحُ. أَمَّا الَّذِينَ اكْتَشَفُوا حُبَّ الْبِلَادِ بَعْدَمَا تَعَثَّرَتْ مَشَارِيعُهُمْ، فَهُمْ لَا يَعُودُونَ إِلَى الْوَطَنِ، وَإِنَّمَا يَعُودُونَ إِلَى مَصَالِحِهِمْ عَبْرَ بَوَّابَةِ الْوَطَنِيَّةِ وَالنَّشِيدِ بِصَوْتٍ أَعْجَمِيٍّ. وَالأُرْدُنُّ أَعْلَى مِنَ الْجَمِيعِ، وَأَبْقَى مِنْ كُلِّ الأَسْمَاءِ، لِأَنَّ الأَرْضَ الأُرْدُنِّيَّةَ تَعْرِفُ أَهْلَهَا.



عدد المشاهدات : (4730)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :