يعيش "سليم" في حارة شعبية مكتظة، يحيط بها شارعان متقاطعان، وتتوزع حولها مدارس للبنين، ويتوسطها مستشفى ضخم. في الصباح، تغزو الشوارع جيوش الطلبة، يتصايحون ويتعاركون بكلمات لا تَحَفّظ فيها. وإن فاتتك مظاهرة الصباح، فستدرك حتماً صخب المساء حين ينتهي الدوام.
يسكن سليم في طبقة من عمارة تضم عائلته الكبيرة؛ حيث تختلط الأصوات في مزيج غريب من نقيق الدجاج وصياح الديكة المنبعث من الفِناء، مع زقزقة العصافير التي تشبه صخب الغابة المنطلق من الشرفة. وعلى السطح، يربض "برج الحَمَام" كرمز لتعايش الكائنات التي تتشارك الماء والهواء والضجيج.
سليم شاب ثلاثيني، موظف حكومي يتقاضى راتباً يكفل له ولأسرته الكفاف. يخضع لبرنامج يومي صارم؛ يكافح صباحاً لاختراق أمواج التلاميذ وأفواج المرضى وطوابير السيارات. فإذا استقام له الطريق، تنفس الصعداء قليلاً، وسار بحذر يترقب إشارات المرور الحمراء وكاميرات المخالفات التي تبحث عن زلّاته بقلوب آلية.
على مكتبه، يجد ركام الأمس؛ ملفات تنتظر وآمالاً مؤجلة. لا يكاد يجلس حتى يتدافع المراجعون، فيبدأ بالاستماع للمونولوج المعتاد بينما يرتشف من "فنجان السأم" جرعات تزداد مرارة مع اقتراب الرحيل.
في طريق العودة، يلاحق بعينيه الوجوه بحثاً عن دهشة أو جمال، فلا يرى إلا وجوهاً مرهقة غطتها أصباغ "الماسكارا" والبودرة، وبرزت من تحتها ظلال التجاعيد القاتمة. فتتسلل المرارةُ إلى لسان سليم، وحين تستقبله زوجته بابتسامةٍ هشّة، مرحِّبةً به:
ـــ أهلاً، عزيزي.
يتقمّص دور "الرجل الشرقي"، رادًّا بتمتماتٍ خاليةٍ من المعنى.
ـــ سأعد السُفرة إلى أن تغير ملابسك.
جلس يتناول غداءه بآلية.
ـــ حدّثني عن نهارك، تقول زوجته محاولةً انتشاله من صمته.
ـــ كالعادة، يردّ سليم.
ـــ مفاجأة! أعددتُ لك البوظة العربية بالفستق.
تخطو بسرعة نحو الثلاجة، وتعود تحمل كوبين زاهيين ممتلئين بالبوظة، وعلى وجهها ابتسامةٌ مشرقة.
يتذوّق، ويهزّ رأسه دون تعليق.
يلجأ إلى عزلته، ويلقي بجسده على السرير. لم تُخفّف البوظة ـــ ولا ابتسامة زوجته ـــ طعم السأم الذي ظلّ يشتدّ في حلقه.
بعد قيلولة قصيرة، يصعد إلى السطح، يتجه نحو برج الحَمَام كمنبه ضُبط مفتاحه بدقة، ثم ينفجر صاخباً: "ويييي". يطير الحَمَام فزعاً في دوائر حوله، منزلقا في الفضاء بنعومة. ينظر المرضى من نوافذ المستشفى: هل نُفخ في الصور؟. وحين يحط الحَمَام ثانية، تتجمع في صدر سليم صرخة أخرى، يطلقها مدوية من جديد: "وييييي".
يسمعها المصلون والمرضى، ويسمعها الجار "عم منصور" وهو يسقي نباتاته. يتوقف منصور، ينظر باتجاه سليم، يرى انعكاس الحَمَام في النوافذ ويسمع رفرفة الأجنحة. يسحب منصور نفساً عميقاً، يشعر كأنه يرفرف بِحُريّة مع الطيور، ويجد على لسانه ـــ للمفارقة ـــ طعماً حلواً للحياة، فيستمر في ري زهورها متمنياً مساء جميلا للأشياء من حوله.
رأى سليم العالم من علوّه، كمسرح صغير ومزدحم. تبدو الحارة المكتظة كخلايا نحل متشابكة وغير منتظمة: المشاة يتدفقون في الأزقة بخطوط باهتة بين المستشفى والمسجد والمرافق الأخرى، يتحركون في مسارات لا تفضي إلى شيء. الأصوات تصله مختلطة: تكبيرات المؤذن، صرير عجلات، موتور زاعق لدراجة مسرعة. شعر بضيقٍ في صدره؛ تنفّس بعمقٍ مرارًا، لكن ثِقَلًا ظلّ جاثمًا، يكتم أنفاسه. همس: "قبحٌ متراكم".
توقّفت نظراته عند عمّ منصور المنشغل بأصُص النباتات على سطح منخفض؛ يراه مسرورًا، كأنّ سلاسل خفية تشدّه إلى مكانه.
ينحني على نبتة، يقصّ ورقة، يرشّ الماء ببطء، ثم ينتقل إلى التي تليها.
شعر سليم بشيءٍ يضيق في صدره؛ حسدٍ خفيٍّ لرجلٍ يبدو مكتفيًا بهذا العالم الصغير.
عاود النظر، مغتمًا بقبح ما حوله: أسطح مثقلة بالعاديات القديمة، ألوان متسخة، وأسلاك كهرباء متشابكة تبرز كعروق مرفق مريض.
لكنه لا يملك رفاهية "الجمال الحديث" الذي تعلنه الشاشات بسطوته: مساحات نقية، إضاءة دافئة، ونساء مرسومات كاللوحات.
هنا، الجمال شيء مغمور؛ يلوح أحيانًا في نافذة تُفتح فجأة، أو في صوت اللهفة لقلب فتي. لكنه يختنق أكثر حين يقارن.
زوجته، بأناقتها البسيطة، تكافح أن تلمسه بعشاء دافئ، أو تصمت راضيةً بما تملك. تبدو له كظلٍ آخر من رتابة السأم. لا يتهمها بالتقصير، لكنه يشعر أنها جزء من "العتمة" ذاتها، لا الحل.
السؤال الذي لا يطرحه: هل فتاة "الأيس كريم" وبيت الأحلام على الشاشات تستحق أن تجعل من حياته مأساة مقارنة؟ أم أنه يهرب من فراغه الداخلي إلى السطح وبرج الحَمَام، ليكتشف أنه لا يزال هناك، وحيدًا مع صرخاته المصطنعة وحمام قد لا يطير يومًا؟
تمنى بينه وبين نفسه لو أن له جناحين، يطير بهما بعيدًا.
عندها هبطت على كتفه فكرة رقيقة؛ تلقّاها بدهشة، وأنزلها إلى أرض الواقع: ماذا لو بدأ "الطيران" على قدميه في جولات أسبوعية؟ في طرق المدينة، ثم إلى الريف أو البادية؟
يمشي منتعلًا حذاءً خفيفًا، يحمل حاجاته في حقيبة رياضية.
تذَكّر جماعاتٍ تسير ليلًا في الطرق الرئيسية، بملابس عاكسة. لماذا لا يبدأ؟
كان المساء قد حلّ، والنهار يهمّ بالرحيل. هبّت نسائم رقيقة، فتنفّس بعمق، وزفر كأنما ألقى عن صدره ثقلًا أعياه. ابتسم، ونادى:
ـــ مساء الخير عم منصور.
ردّ عليه بسعادة:
ـــ مساء الخير.
غادر السطح، وما تزال الفكرة عالقة به.
استقبلته زوجته. بادرها:
ـــ كانت البوظة لذيذة… هل بقي شيء منها؟
ابتسمت، وأحضرت له كوبًا. جلس يتذوّق، ببطء هذه المرّة.
ـــ أفكّر أن أبدأ بالمشي.
ـــ جميل… متى؟
ـــ من الغد.
في الصباح، خرج قبل أن يستيقظ الحيّ تمامًا.
كانت ظلمة رمادية تغطّي الطريق. تعثّر ببقايا ليلةٍ لم تُرفع بعد.
ومع أوّل خيط ضوء، انكشف كلّ شيء: الألوان الباهتة، الفوضى، الوجوه المتعَبة.
لم يكن وحده. رجلٌ بعكّاز يسير بثبات، وآخر يسرع كأن له موعدًا.
أكمل دورته، وأنفاسه تتلاحق.
بعد أيام، ظهرت تشققات عند كعبيه آلمته لكنه واصل.
في المساء، صعد إلى السطح.
لم يصرخ هذه المرّة.
راقب الحمام وهو يعود إلى أوكاره؛ بعضها يثرثر، بعضها يطعم صغاره، وبعضها يلاحق رفيقته في دوائر قصيرة.
ظلّ ينظر.
نزل بخفّة، ودخل. كانت زوجته تنتظره.
أمسك يديها، ودار بها بخفّة، كطائرين يختبران الهواء.
ـــ تخرجين معي؟
ـــ الآن؟
ـــ الآن… وكلّ ليلة.
وعلى الطاولة، كان فنجانه… أقلَّ مرارة.
سعيد ذياب سليم
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |