رم - بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة
**
في هذه المنعطفات التاريخية الخطيرة التي تمر بها أمتنا العربية، حيث تتكالب الأزمات وتطل الفتن برأسها من كل حدب وصوب، يصبح لزاماً علينا كحراس للذاكرة الوطنية ومؤرخين لهذا الإرث، أن نفتح الدفاتر القديمة لنقرأ الحاضر بعيون الماضي.
يبرز السؤال الأهم هنا: هل ما نعيشه اليوم من تشظٍّ وانقسام هو "قدرٌ محتوم"، أم هو "صناعةٌ" أُحكمت خيوطها في دهاليز القوى الغربية؟
**
* من الوعود الكاذبة إلى الواقع المرير:
يأتي كتاب البروفيسور "جيرمي سولت" (تفتيت الشرق الأوسط ) (صدر عام ٢٠١١)، الذي نقله إلى العربية الدكتور نبيل صبحي الطويل، ليكون بمثابة "كشاف ضوئي" يسلطه باحثٌ منصف من الغرب على تاريخنا المكلوم، كاشفاً زيف الشعارات التي تلطى خلفها الاستعمار لعقود، ومقدماً "محاكمة وثائقية" تستند إلى الأرشيف الغربي لتعرية مخططات استهدفت تمزيق أوصال هذه الأمة.
يأخذنا "سولت" في رحلة تمتد لقرنين من الزمان، مؤكداً أن ما نراه اليوم من "فوضى" ليس وليد الصدفة، بل هو استكمال لمسار بدأ منذ اللحظة التي قرر فيها الغرب أن "الرجل المريض" (الدولة العثمانية) يجب أن يُقسّم ميراثه بما يضمن عدم قيام قائمة لهذه المنطقة.
إن الكاتب لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يغوص في فلسفة "التدخل الغربي" القائم على الجهل بالبنية الاجتماعية العربية، أو التجاهل المتعمد لها، في سبيل حماية المصالح الحيوية وتأمين الكيان الصهيوني في قلب الأمة.
**
* التفتيت.. المنهج والممارسة:
ما يلفت النظر في تحليل جيرمي سولت، هو تركيزه على أن "التفتيت" لم يكن جغرافياً فحسب، بل كان تفتيتاً للهوية والنسيج الاجتماعي.
فمنذ وعد بلفور المشؤوم، مروراً بـ "سايكس بيكو"، وصولاً إلى غزو العراق وما سمي بـ "الربيع العربي"، تبرز خريطة طريق واحدة: إضعاف المركز لتفتيت الأطراف.
إن "سولت" يضع يده على الجرح حين يشرح كيف حوّل الغرب المنطقة إلى "مختبر تجارب" للسياسات الفاشلة، حيث تُهدر دماء الأبرياء تحت مسميات "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، بينما الحقيقة تكمن في السيطرة على منابع النفط وطرق التجارة، وضمان بقاء العرب في حالة من "الارتهان" الدائم للقرار الأجنبي.
**
* عدسة الإنصاف في عين المؤرخ:
إن قيمة هذا الكتاب تكمن في كونه يأتي من قلم أكاديمي غربي، لم ينجر خلف السردية "الاستشراقية" التقليدية التي تلوم الضحية. بل نجد "سولت" يوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى صانع القرار في لندن وباريس وواشنطن. وهو ما نحتاجه اليوم بشدة؛ أن يدرك شبابنا أن التاريخ ليس مجرد حكايات تروى، بل هو صراع إرادات، وأن الجهل بالتاريخ هو أولى خطوات الهزيمة.
**
* نماذج من الأرشيف الغربي لتعرية مخططات التفتيت:
١. وثيقة بنرمان ١٩٠٧... العقل المدبر للجريمة:
يبدأ التفتيت -كما يكشف سولت- قبل "سايكس بيكو" بعقد من الزمان. ففي غرف لندن المظلمة عام 1907، صاغ "هنري كامبل بنرمان" استراتيجية "الخطر الوجودي".
لقد خلص الاستعمار آنذاك إلى أن وحدة العرب هي "مقصلة" التفوق الغربي، فكان القرار بإنشاء "حاجز بشري غريب وقوي" في فلسطين يفصل المشرق العربي عن مغربه.
إن هذه الوثيقة لم تكن تنظيراً أكاديمياً، بل كانت "خريطة طريق" استعمارية لضمان بقاء المنطقة في حالة ارتهان وتخلف دائمين، ومنع قيام أي كتلة عربية متجانسة تهدد مصالح الاستعمار.
**
٢. من بنرمان إلى بلفور... الانتقال من التنظير إلى التنفيذ:
يوضح "سولت" ببراعة كيف تحول "عقل" بنرمان إلى "يد" بلفور. ففي عام 1917، لم يكن الوعد البريطاني بالوطن القومي لليهود مجرد "زلة دبلوماسية" أو دافع عاطفي، بل كان تنفيذاً دقيقاً لتوصيات عام 1907.
لقد بحث الغرب عن "وكيل وظيفي" يحرس مصالحه ويزرع صراعاً دائماً يستنزف مقدرات الأمة.
فلسطين هنا لم تكن مجرد أرض مستهدفة، بل كانت "العقدة الجغرافية" التي أراد الاستعمار بترها لكسر ظهر الوحدة العربية للأبد.
**
٣. الأرشيف الغربي.. شهادة إدانة من "أهلها":
قوة هذا الكتاب تكمن في استنطاقه للوثائق السرية التي أُفرج عنها؛ فيذكر سولت كيف أُخفي تقرير "لجنة كينغ-كراين" عام ١٩١٩ عمداً لأنه حذر من عواقب الصهيونية، وكيف صاغ "بروتوكول سيفير" مؤامرة العدوان الثلاثي عام 1956.
هذه النماذج تثبت أن "التفتيت" لم يكن نتيجة أخطاء دبلوماسية، بل كان "هندسة واعية" تستهدف إضعاف المركز لتفتيت الأطراف، وهو ما نراه يتجدد في العصر الحديث تحت مسميات "الفوضى الخلاقة".
**
* "الربيع العربي"... نبل الغايات ومصيدة الأجندات:
لا يغيب عن مبضع الجراح "جيرمي سولت" تحليل أحداث "الربيع العربي" التي هزت أركان المنطقة.
وهنا يضع الكاتب يده على مفارقة مؤلمة؛ فبينما كانت الشعوب العربية تخرج بصدق وعفوية، مدفوعة بأهداف نبيلة وتوقٍ مشروع للكرامة والحرية، كانت "المطابخ الغربية" تترصد هذه اللحظة لإدارة الدفة نحو مصالحها الاستراتيجية.
يرى سولت أن الغرب سارع لاختطاف هذه التطلعات وتحويلها إلى أداة لتفكيك ما تبقى من الدولة الوطنية العربية، فتم الدفع بالمنطقة نحو صراعات داخلية وحروب بالوكالة، ليتحول "الربيع" في محطات عديدة إلى وسيلة لإعادة إنتاج "سايكس بيكو" جديدة، ولكن هذه المرة بأيدي أبناء الأمة أنفسهم، مما ضمن للغرب بقاء العرب في دوامة الارتهان والتمزق الاجتماعي والطائفي.
**
* الخاتمة... الوعي التاريخي هو طوق النجاة:
إننا أمام عملٍ توثيقيٍ ضخم يتجاوز كونه كتاباً في التاريخ ليصبح صرخة تحذير. فالتفتيت الذي بدأ بالخرائط الورقية في مطلع القرن العشرين، يُراد له اليوم أن يستقر في العقول والقلوب عبر تمزيق الهوية العربية والإسلامية.
إن استعادة بوصلة الأمة تبدأ من فهم أدوات "العدو" ومخططاته، وكما يقول الحق سبحانه: "وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" .
إن قراءة كتاب جيرمي سولت هي دعوة للاستيقاظ من غفلة الانقسام؛ فمن لا يقرأ تاريخه، محكومٌ عليه بتكرار مآسيه، والعدو لا يخشى شيئاً كما يخشى "الأمة الواعية" بذاكرتها، المتمسكة بحقها التاريخي في الوحدة والكرامة.