مسيرات حزب الله الانقضاضية تكسر التفوق الاسرائيلي وتفرض معادلة استنزاف جديدة !


رم - د . مهدي مبارك عبد الله

في مشهد ميداني مستجد بات يتغير بسرعة لافتة برزت مسيرات حزب الله الانقضاضية كعامل حاسم في إعادة تشكيل طبيعة المواجهة في جنوب لبنان حيث لم يعد التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي كافيا لضمان السيطرة كما كان في السابق بل بات يواجه تحديا متصاعدا من أدوات صغيرة الحجم كبيرة الأثر قادرة على النفاذ إلى عمق التحصينات القتالية وإرباكها من الداخل

هذا التحول لم يكن مجرد تطور تقني عابر بل نتيجة مسار طويل من التكيف مع بيئة قتالية كانت خاضعة بالمطلق لهيمنة الحرب الإلكترونية الإسرائيلية التي نجحت في مراحل سابقة في تعطيل جزء كبير من قدرات الطائرات المسيّرة التقليدية غير أن إدخال حزب الله تقنية التوجيه عبر الألياف الضوئية نقل المعركة إلى مستوى مختلف تماما حيث لم تعد هذه المسيرات تبث إشارات يمكن رصدها أو التشويش عليها ما أفقد أنظمة الدفاع الإسرائيلية إحدى أهم أدواتها في مواجهتها

المفارقة الصادمة أن هذه المسيرات التي تبدو بسيطة في تركيبها نجحت في تحقيق ما عجزت عنه منظومات أكثر تعقيدا إذ استطاعت تجاوز طبقات الحماية الإلكترونية والوصول إلى أهدافها بدقة عالية مستفيدة من بصمة منخفضة وقدرة كبيرة على المناورة وهو ما جعل التعامل معها ميدانيا مهمة شديدة التعقيد تقتصر غالبا على محاولات إسقاطها بالأسلحة الفردية في ظروف قتال ضاغطة

الوقائع الميدانية على الارض تشير إلى أن هذه الطائرات لم تعد تستخدم بشكل محدود أو تجريبي بل أصبحت جزءا من نمط عملياتي شبه يومي يستهدف الآليات المدرعة وتجمعات الجنود وحتى فرق الإخلاء ما يعكس انتقالا واضحا من الاستخدام التكتيكي المحدود إلى استراتيجية استنزاف ممنهجة تضرب في عمق القدرة القتالية للقوات الإسرائيلية وتؤثر في بنيتها

في هذا السياق برزت فعالية هذه المسيرات في استهداف الدبابات وناقلات الجند الثقيلة مثل عربة النمر عبر ضرب نقاط الضعف فيها بدقة متناهية الأمر الذي يؤدي إلى تدميرها أو تعطيلها وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الوحدات البرية على المناورة والتقدم ويجعلها أكثر حذرا وأقل جرأة في بيئة قتال اصبحت مشبعة بالتهديدات

الأهم من ذلك أن هذا السلاح يفرض معادلة اقتصادية قاسية إذ يمكن لطائرة منخفضة الكلفة أن تدمر هدفا عالي القيمة ما يضع الجيش الإسرائيلي أمام معضلة تتعلق بكلفة الدفاع مقارنة بكلفة الهجوم ويجعل أي محاولة لمواجهة هذا التهديد استنزافية بحد ذاتها حتى في حال نجاحها الجزئي في اسقاطها

التطور السريع في تسلسل الاحداث لا يقتصر على التقنية بل يشمل أيضا أسلوب الاستخدام حيث باتت الهجمات تنفذ بشكل مركب وعلى مراحل تستهدف الهدف نفسه أو محيطه في توقيتات متقاربة بما في ذلك استهداف لحظات الضعف مثل عمليات الصيانة أو الإخلاء ما يعكس فهما عميقا لديناميات المعركة وقدرة عالية على استغلال الثغرات الزمنية والمكانية المتوفرة

هذا النمط من القتال يعيد إلى الواجهة ملامح حرب العصابات لكن بأدوات حديثة تجمع بين المرونة الميدانية والدقة التكنولوجية ما يخلق بيئة عملياتية معقدة يصعب على الاستخبارات الإسرائيلية التنبؤ بها أو احتواؤها بشكل كامل ويضع الجنود تحت ضغط دائم حتى خارج خطوط الاشتباك المباشر

اللافت أيضا أن التقديرات الإسرائيلية المسبقة بشأن قدرات هذه المسيرات أثبتت عدم دقتها سواء من حيث المدى أو القدرة على المناورة وهو ما أدى إلى فجوة بين التصور النظري والواقع الميداني سمحت بتوسيع نطاق تأثير هذا السلاح ليشمل مناطق أعمق من المتوقع ويمنح مستخدميه هامشا أوسع للمناورة

في موازاة ذلك لم تنجح كثافة الضربات الجوية الإسرائيلية في تحييد هذا التهديد بشكل كامل لإن طبيعة هذه المسيرات القائمة على البساطة وسهولة الإنتاج تجعل من الصعب القضاء عليها عبر القوة النارية وحدها وهو ما يعكس حدود التفوق العسكري التقليدي في مواجهة خصم يعتمد على أدوات مرنة وقابلة للتجدد

هذا الواقع المربك دفع إسرائيل إلى البحث عن حلول غير تقليدية بما في ذلك الاستعانة بخبرات خارجية من ساحات قتال أخرى منها اوكرانيا التي شهدت استخداما مكثفا لهذا النوع من الأسلحة غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحلول لا تزال غير مجدية وأن التكيف مع هذا التهديد قد يحتاج إلى وقت وتطوير عقائدي وتقني عميق تقع خلاله العديد من الهجمات القاتلة

التحول الجديد فرض على إسرائيل كما على غيرها من الجيوش التقليدية إعادة التفكير في مفاهيم الدفاع والسيطرة لأن المعركة لم تعد تُحسم فقط في السماء أو عبر التفوق الناري بل في القدرة على التكيف مع تهديدات منخفضة الكلفة وعالية الفعالية وهو ميدان يبدو أن حزب الله نجح بشكل فاعل ومؤثر حتى الآن في فرض إيقاعه بشكل مؤلم وصارخ بعدما حولت المسيرات بالألياف الضوئية من سلاح تكتيكي إلى كابوس استراتيجي

اخيرا : يمكن القول إن مسيرات حزب الله الانقضاضية لم تعد مجرد سلاح إضافي تكتيكي في ساحة المعركة بل أصبحت تحول أعمق في طبيعة الحرب نفسها حيث تتراجع مركزية المنصات الكبرى لصالح أدوات صغيرة وذكية وقابلة للتكيف وحيث يصبح التفوق التكنولوجي التقليدي أقل حسماً أمام خصم قادر على الابتكار خارج القوالب المألوفة كما انها عاملا مؤثرا في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك حيث فرضت نمطا جديدا من الحرب يقوم على الاستنزاف الذكي وتآكل التفوق التكنولوجي التقليدي وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من الصراع تتسم بقدر أكبر من التعقيد وعدم اليقين

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]






عدد المشاهدات : (567)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :