الحلقة الرابعة من سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني":


رم - تسلم الحسين سلطاته الدستورية 1953.. من صدمة "الأقصى" إلى هندسة النخبة

بقلم: د. أحمد زياد أبو غنيمة

مقدمة الحلقة:
تأتي هذه الحلقة الرابعة ضمن سلسلة "استدعاء التاريخ السياسي والتوثيق الوطني" كجهدٍ بحثي يهدف بالدرجة الأولى إلى إضاءة الزوايا المفصلية في تاريخ الأردن الحديث، واستحضار السياقات التي شكلت وجدان الدولة ومؤسساتها. إن الغاية الجوهرية من هذا الطرح هي "التوثيق التاريخي" القائم على التحليل والمراجعة، بعيداً عن إصدار الأحكام التقييمية أو إخضاع الوقائع السياسية لتجاذبات المصالح وضجيج السياسة الراهنة. نحن هنا نسعى لقراءة الحدث في سياقه الزمني، وفهم ديناميكية بناء الدولة في لحظات التحول الكبرى، ليبقى التاريخ مرجعاً وطنياً جامعاً يتجاوز التفسيرات الضيقة.

لم تكن لحظة تسلم الملك الحسين بن طلال سلطاته الدستورية في الثاني من أيار 1953 مجرد إجراء بروتوكولي لانتقال العرش، بل كانت "نقطة الصفر" في مشروع سياسي لإعادة هندسة النخبة الأردنية. هذه الرؤية لم تولد من فراغ، بل صُقلت في وجدان الملك الشاب إثر "زلازال في الوعي السياسي" شهده صبياً عند أبواب المسجد الأقصى، حيث تشكلت رؤيته العميقة للتفريق بين "الولاء الوظيفي" و"الولاء المؤسسي".
أولاً: صدمة الاغتيال واختبار "زيف النخبة"
لم تُصقل كاريزما الملك الحسين في الصالونات السياسية، بل حُفرت في وعيه عبر ما يُعرف بـ "صدمة التنشئة"؛ حيث يُعد اغتيال الملك المؤسس عبدالله الأول في المسجد الأقصى (1951) "الاختبار السياسي الأول" للحسين في قراءة وتقييم "النخبة السياسية".
ففي ذلك اليوم، ورغم توالي التحذيرات الأمنية، تخلّف عدد كبير من كبار المسؤولين ورجالات النخبة عن مرافقة الملك إلى القدس متذرعين بأعذار مختلفة. هذا التردد من قبل "الحرس القديم" قابله إصرار الحسين (ابن الخامسة عشرة) على المرافقة، حيث التفت لجده قائلاً: "حياتي لا تساوي شيئاً أمام حياتك"، وهو الموقف الذي دفع الملك المؤسس لوصف حفيده بأنه "نخبة النخبة، إنه استمرار سلالتي".
لقد شكلت لحظة الاغتيال أمام عيني الحسين الانكشاف الأول لمدى هشاشة بعض دوائر النخبة المحيطة بصنع القرار، إذ راقب الملك الشاب سلوك الرعيل الأول مسجلاً خيبة أمل عميقة تجاه تخاذلهم، ويصف ذلك بمرارة في مذكراته: "فالتصرف الجبان الذي سلكه من يدّعون أصدقاء جدي أصابني بخيبة أمل عميقة... لم تكد تمضي ساعات حتى بدأ السياسيون مكائدهم". كشفت هذه الحادثة أن بقاء الدولة يتطلب بناء دوائر ولاء تعتمد على الشجاعة والإخلاص المطلق، لا على المواقع الوظيفية فقط.
هذا التشخيص دفع الحسين إلى إجراء "غربلة سياسية" للنخبة الموروثة، مقسماً إياهم إلى فئتين:
* النخبة "الضعيفة": الشريحة التي تمتلك الخبرة لكنها تفتقر إلى "الإرادة القتالية" والقدرة على حماية المنجزات في لحظات الانعطاف الحاد.
* النخبة "الانتهازية": وهي الأخطر؛ إذ سعت لاستثمار الفراغ الدستوري (غياب الملك طلال) للاستحواذ على السلطة وإعادة تموضع المصالح الشخصية.
ثانياً: كلية فكتوريا.. "المختبر الليبرالي" وولادة نخبة الثقة
لتجاوز جمود النخب الموروثة، اعتمد الملك الحسين على "المصنع الأيديولوجي والاجتماعي" الذي صقل وعيه خارج الحدود: كلية فكتوريا في الإسكندرية. هناك، لم يكتسب الحسين العلم فحسب، بل بنى "شبكة تواصل نخبوي" مبكرة اعتمدت على الزمالة والمصير المشترك. برزت من هذا المختبر شخصيات شكلت "الكتلة الصلبة" في عهده، وعلى رأسهم الشريف زيد بن شاكر، الذي مثل نموذج "نخبة الثقة" القادرة على تحدي البيروقراطية التقليدية. لقد شارك هؤلاء الخريجون الملك الشاب لغته الفكرية الحداثية، مما منحه أدوات جديدة لتحديث الدولة.
ثالثاً: النخبة العائلية والإرث الدستوري
بالتوازي مع "نخبة الثقة"، استند الملك الحسين في بدايات عهده إلى ركيزتين إضافيتين:
1. النخبة العائلية الداخلية: شكلت والدته، الملكة زين الشرف، المرجعية الاستشارية والحاضنة السياسية التي وفرت الغطاء وحماية القرار السيادي في أحلك الظروف.
2. الإرث الدستوري (نخب المؤسسات): استثمر الحسين إرث والده الملك طلال، وتحديداً دستور 1952، كأداة استراتيجية لاستقطاب وإدماج النخب الحزبية والمعارضة داخل الهيكل المؤسسي للدولة.
رابعاً: صراع الأجنحة وحِنكة "إعادة تأهيل المعارضة"
قبل تسلم الملك سلطاته (1952-1953)، شهدت الساحة صراعاً حاداً بين كتلتين:
* النخبة التقليدية (الحرس القديم): بقيادة توفيق أبو الهدى، التي مالت للمركزية والتحالف الوثيق مع بريطانيا.
* النخبة البرلمانية الصاعدة: نواب المجلس الثالث المتأثرون بالمد القومي، والذين شكلوا "جبهة المعارضة النيابية" في فندق (بارك)، وضمت رموزاً مثل: هزاع المجالي، عبد القادر الصالح، أنور الخطيب، وعبد الله الريماوي.
وعندما تسلم الحسين سلطاته عام 1953، بدأ بتنفيذ رؤيته عبر أول حكومة في عهده برئاسة فوزي الملقي. تجلت حنكة الملك في إشراك رموز المعارضة في مسؤولية القرار، محولاً إياهم من "ناقدين تحت القبة" إلى "رجال دولة" مسؤولين عن الإدارة والتنمية.
خامساً: النخبة في مرآة الوثائق السرية البريطانية
تكشف الوثائق البريطانية عن "رعب بيروقراطي" في لندن تجاه هذا التحول، حيث صنفت النخبة حينها إلى:
* كتلة "الواقعيين": (مثل أبو الهدى) صمام أمان المعاهدة البريطانية.
* كتلة "المسيسين الجدد": الذين رأت فيهم لندن خطراً قومياً.
رصدت السفارة بقلق تزايد نفوذ بهجت التلهوني كـ "حارس للقصر" بنى سياجاً سيادياً حول الملك، بينما رأت في هزاع المجالي الوجه الشاب للولاء العشائري المسيس الذي يضع السيادة فوق الحسابات التقليدية.
الخلاصة
إن عام 1953 مثّل الانتقال من مرحلة "إدارة النخبة الموروثة" إلى مرحلة "صناعة النخبة السيادية". لقد حول الحسين "صدمة الأقصى" إلى استراتيجية لبناء دولة لا ترتهن للأشخاص، بل تحتمي بنخبة مخلصة وشجاعة، أعدت المسرح ببراعة لقرارات وجودية لاحقة قلبت الطاولة على الهيمنة الأجنبية.
التوثيق العلمي والبحثي:
* الحسين بن طلال (1962): ليس سهلاً أن تكون ملكاً، لندن.
* عثمان، عبد الله (2016): الأردن في الوثائق البريطانية السرية (1953).
* المدادحة، أحمد (2016): النخبة السياسية الأردنية: دراسة في التحولات والآليات، أطروحة دكتوراه، الجامعة الأردنية.
* المجالي، هزاع (2012): مذكراتي.
* أبو غنيمة، زياد (1999): الوزراء الحزبيون في الحكومات الأردنية.
* لنت، جيمس (1990): الحسين: سيرة حياة، ترجمة شفيق جميعان.
* حجازي، محمود (2004): الملك الحسين وبناء الدولة الحديثة.



عدد المشاهدات : (4059)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :