العلم لمَن دفع ثمنه والإنصاف لمَن حالفه زمنٌ يعرف قيمة العارفين


رم -

حين يصبح حمل الشهادة أسهل من حمل المعرفة، وحين يتقدم الضجيج على العمق، لا يعود التعليم أزمة مؤسسات فقط، بل أزمة مجتمعٍ اختلَّ ميزانه.
لم تعُد الشهادة اليوم حدثًا استثنائيًّا كما كانت في أزمنة مضت. صارت الأوراق أكثر من العقول، والألقاب أعلى صوتًا من الكفاءة، والسِّيَر الذاتية أكثر امتلاءً من أصحابها. امتلأت الجدران بالشهادات، وازدحمت الملفات بالوثائق، وتزيَّنت الأسماء بما قبلها وما بعدها من ألقاب؛ لكن السؤال الذي لا يريد كثيرون سماعه هو: هل كثرة الشهادات تعني كثرة العارفين؟
الحقيقة المرة أنَّ الشهادة أصبحت في متناول كثيرين، أمّا العلم الحقيقي فبقي طريقًا شاقًّا لا يسلكه إلّا مَن دفع ثمنه من عمره وراحته وطمأنينته. فهناك فرقٌ هائل بين مَن يطارد ورقة، ومن يطارد معنى؛ بين مَن يريد لقبًا يسبقه، ومن يريد عقلًا يسنده؛ بين مَن يدرس ليعبر امتحانًا، ومَن يتعلّم ليعبر الحياة.
ليست الكارثة في أن تنتشر الشهادات؛ فإتاحة التعليم حقٌّ لا يُجادَل فيه. الكارثة أن تتحول الشهادة إلى قناعٍ أنيق يخفي فراغًا معرفيًا، وأن تصبح الورقة أعلى شأنًا من الوعي، وأن يُقاس الإنسان بما يعلِّقه على الجدار لا بما يملكه في عقله. هنا لا يعود التعليم رسالة، بل يتحول إلى طقس اجتماعيّ طويل ينتهي بصورة تخرُّج، لا ببناء إنسان.
كم من إنسانٍ صدَّق أنَّ العلم طريق النجاة، فأنفق سنواته في الدراسة، وحرم نفسه من الراحة، ودفع من ماله وصحته وأعصابه، ثم خرج إلى الحياة مثقَلًا بشهادة لا تُنصفه، ومعرفة لا تجد مَن يقدِّرها، ومهارة لا تُفتَح لها الأبواب كما ينبغي. كان يظن أن العلم رأس مالٍ لا يخسر، فإذا به يكتشف أنَّ هذا الزمن لا يربح فيه الأعمق دائمًا، ولا يتقدم فيه الأجدر بالضرورة.
وهنا يبدأ الوجع الحقيقي: أن يرى صاحب العلم نفسه على الهامش، بينما يتصدّر المشهد مَن لا يحمل مِن المعرفة إلا مظهرها، ولا مِن الثقافة إلّا قشرتها، ولا مِن النجاح إلّا ضجيجه. يتقدّم أصحاب الصوت العالي، وتلمع الوجوه الخفيفة، وتُصفِّق المنصات لمَن يجيد الحضور أكثر ممَّن يجيد الفهم. عندها لا تصبح المشكلة في الشهادة وحدها، بل في مجتمعٍ صار يخلط بين البريق والقيمة، وبين الادِّعاء والاقتدار، وبين الحضور العابر والأثر العميق.
إنَّ أخطر ما يواجه المتعلّم ليس البطالة وحدها، ولا قسوة الطريق وحدها، بل تلك اللحظة التي يبدأ فيها بمساءلة سنواته: هل كان كل هذا التعب يستحق؟ هل كانت الليالي الطويلة، والكتب الثقيلة، والرسوم المرهقة، والقلق المستمر- استثمارًا في المستقبل أم عبئًا جديدًا على الروح؟ لا يسأل ذلك لأنَّه ندم على العلم، بل لأنَّه خُذِل من واقعٍ لا يحسن دائمًا مكافأة العارفين.
لقد أصبح العلم، في عيون كثير من أصحابه، تجارة خاسرة؛ لا لأنَّه فقد قيمته، بل لأنَّ السوق الذي يتحرك حوله فقد أخلاقه ومعاييره. فالخسارة ليست في المعرفة، وإنما في بيئةٍ لا تميِّز بين مِن تعب ليعرف، ومَن اكتفى بأنْ يبدو عارفًا. والخسارة ليست في الشهادة، وإنَّما في زمنٍ يجعلها أحيانًا عبئًا على صاحبها، لا جسرًا إلى كرامته.
نحن نعيش مفارقة قاسية: نُكثر مِن الحديث عن التعليم، ونُقلِّل مِن احترام العِلم. نحتفل بالخريجين، ثم لا نسأل عمّا يحملونه مِن قدرة. نرفع الشعارات عن الإبداع، ثم نترك المبدعين في آخر الصف. نقدِّس الشهادة لحظة منحها، ثم نخذل صاحبها حين يطلب مكانًا يليق بما تعلّم.
ولذلك؛ فإنَّ العبارة الصادمة قد تكون أصدق من كل المجاملات: الشهادة للجميع… أمّا العلم فلِمَن دفع ثمنه، والإنصاف لمَن حالفه زمنٌ يعرف قيمة العارفين.
لا قيمة لشهادةٍ لا تصنع عقلًا، ولا معنى لتعليمٍ لا يوقظ سؤالًا، ولا جدوى مِن ألقابٍ لا تقف خلفها كفاءة؛ فالمجتمعات لا تنهض بكثرة الأوراق، بل بصدق المعرفة. ولا تتقدم بزينة الأسماء، بل بقوة العقول. ولا تُبنى الأمم بمَن يحفظون الطريق إلى المنصة، بل بمَن يعرفون الطريق إلى الفكرة.
إنَّ التعليم الذي لا يُعيد الاعتبار للمعرفة يتحول إلى مصنعٍ أنيق للخيبة. يخرج منه الناس وهم يملكون وثائق كثيرة، لكنَّهم يفتقرون إلى أدوات: الفهم، والنقد، والعمل، والإبداع. والتعليم الذي لا يحمي صاحب الكفاءة من التهميش، ولا يمنحه مكانته المَستحَقة، يزرع في داخله مرارة لا تُرى، لكنها تكبر مع الأيام.
لسنا بحاجة إلى حربٍ على الشهادات، بل إلى إنقاذ معناها. ولسنا بحاجة إلى التقليل مِن قيمة الخريجين، بل إلى رفع قيمة العلم الذي يجب أن يقف خلف التخرُّج. المطلوب ليس أن تصبح الشهادة نادرة، بل أن تصبح صادقة. ليس أنْ نغلق أبواب التعليم، بل أن نفتح أبواب الإنصاف أمام مَن جعلوا التعليم حياة لا مجرد مرحلة.
في النهاية، ليست الأزمة أن تكون الشهادة للجميع؛ فذلك حلمٌ جميل حين يكون طريقًا للعدالة. الأزمة أنْ يصبح العلم غريبًا في زمن الشهادات، وأن يتقدّم الفراغ بثقة، بينما يمشي العارف مثقَلًا بصمته وخيبته. الأزمة أن تتحول الشهادة من وعد بالكرامة إلى شاهد على خذلان طويل.
فالشهادة قد تُعلَّق على الجدار، لكنَّ العلم وحده يُقيم الإنسان من الداخل. والمجتمع الذي يُصفِّق للفراغ، ويؤجل العارفين، سيدفع ثمن ذلك يوم يكتشف أنَّ الضجيج لا يبني مستقبلًا، وأنَّ الأمم لا تنهض بمَن يملكون المظهر، بل بمَن يملكون المعنى.

د.محمد كريم الضمور




عدد المشاهدات : (619)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :