أ.د. علي حياصات
لطالما راودنا الاعتقاد بأن الإنسان سيد مصيره، يختار طريقه بحرية مطلقة ويتحكم بقراراته ومستقبله. لكن الواقع أكثر تعقيدًا، ففي أعماق كل منا تكمن قوة خفية، تشكل سلوكنا وتوجه اختياراتنا دون وعي كامل، إنه العقل الباطن، الذي يكتنز الرغبات الدفينة، والمخاوف المتجذرة، وما استوعبناه من محيطنا الاجتماعي أكثر مما اخترناه بإرادتنا الحرة.
في جانب واسع من المجتمع الأردني، تتجلى هذه الفجوة بين الظاهر والمخفي بوضوح لافت. لقد أصبحنا، في كثير من الأحيان، أبناء (مجتمع الصورة)، حيث تُقاس القيمة بما يظهر للعيان، لا بما يحمله الجوهر من حقيقة. نُتقن تمثيل الأدوار الاجتماعية، ونُجيد إخفاء ما لا يتوافق مع المعايير السائدة، حتى لو كان جزءًا أصيلًا من كياننا.
المفارقة أننا لا نمارس ذلك على الهامش، بل في صلب حياتنا اليومية. في المجالس، قد نُغدق المديح على أشخاص ننتقدهم فور مغادرتهم. وفي بيئة العمل، نرفع شعارات الكفاءة والإنجاز، بينما تُدار بعض القرارات بمنطق العلاقات لا الاستحقاق. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، نُصدّر صورًا لحياة متماسكة وناجحة، فيما يعيش كثيرون قلقًا وضغطًا لا يظهر في أي منشور.
هذا التناقض لا يمكن اختزاله في نفاق فردي بقدر ما هو انعكاس لبنية اجتماعية تكافئ المظهر وتعاقب الصراحة. ومع مرور الوقت، تتآكل الحدود بين ما نحن عليه فعلًا وما نظهره، حتى يصبح التمثيل جزءًا من الهوية نفسها.
هذه الازدواجية ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تراكم طويل من موروثات ثقافية شكّلت وعينا عبر الأجيال. عندما يتحول التفكير إلى تكرار، والإيمان إلى شعارات، والسلوك إلى استجابة لضغط الجماعة، يصبح الفرد أقل حرية مما يعتقد. لا لأنه لا يريد الحرية، بل لأنه لم يُمنح المساحة ليكون صادقًا دون ثمن.
المشكلة أن هذه الحالة، مع الوقت، لم تعد مجرد خلل، بل تحولت أحيانًا إلى آلية للبقاء، نُجامل لنُقبل، نُخفي لننتمي، ونتجنب الصراحة لأنها قد تُقصينا. وهنا تكمن المفارقة الأخطر، مجتمع يطلب الانسجام، لكنه ينتج التناقض.
لهذا، لا يمكن الحديث عن نهضة مُجتمعية حقيقية في ظل هذا الانقسام الداخلي. فالتغيير لا يبدأ من الخطابات الكبرى، بل من كسر هذا النمط الصامت. من لحظة يختار فيها الفرد أن يكون أقل تزييفًا، حتى لو كان ذلك أقل راحة. عندها فقط، يمكن أن نقترب من مجتمع لا يكتفي بأن يبدو متماسكًا، بل يكون كذلك فعلًا.
نريد مجتمعًا ناقدًا لا ناقلًا، واضحًا لا متخفيًا، منسجمًا مع ذاته ومتصالحًا معها، لأن جوهر أزمتنا ليس فيما يُحكمنا فقط، بل في الطريقة التي نفكر بها ونرى أنفسنا من خلالها.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |