د. مهدي مبارك عبد الله
قضاء بنت جبيل هو وحدة إدارية واسعة تضم عشرات القرى والبلدات وتندرج ضمن محافظة النبطية ومن ضمها مدينة بنت جبيل المركز الإداري وهي ليس مجرد بلدة حدودية على تخوم الجغرافيا بل هي عقدة مركبة في الوعي العسكري والسياسي لدى قوات جيش الاحتلال الاسرائيلي حيث بتداخل فيها التاريخ مع قسوة الميدان وتتشابك فيها رمزية المكان مع حسابات القوة لتتحول إلى ما يشبه الامتحان المفتوح الذي فشل العدو في اجتيازه مرات عديدة رغم التفوق الناري والتكنولوجي على امتداد عقود طويلة
في هذه المدينة الصغيرة نسبيا بحجمها والكبيرة بمعناها تشكلت معادلة مختلفة لا تقاس بمساحة الأرض بل بصلابة الإرادة فمنذ سبعينيات القرن الماضي وصولا إلى اجتياح 1982 وما تلاه من محاولات متواصلة لفرض السيطرة ظلّت بنت جبيل عصية على الاحتواء وهي تتحول في كل عدوان اسرائيلي من ساحة استهداف إلى مساحة استنزاف ومن هدف عسكري إلى مأزق استراتيجي يستهلك الوقت والامكانات والقدرة والهيبة في آن واحد
مفهوم بنت جبيل كعقدة نفسية وتاريخية واستراتيجية للعدو الإسرائيلي بلغ ذروته في حرب تموز 2006 حين دخلت قوات النخبة العسكرية الإسرائيلية إلى تخوم المدينة وهي محمّلة بثقة وغرور التفوق فإذا بها تصطدم بجدار غير مرئي من الكمائن والاشتباكات القريبة والتي حوّلت الشوارع والأحياء إلى مساحات قتال مفتوح حيث لم تعد التكنولوجيا وزخم الحشود قادرة على حسم المعركة ولم يعد التفوق الجوي كافيا لترجمة السيطرة على الأرض ومعها سقطت فكرة الحسم السريع وتبددت صورة الجيش الذي لا يُقهر حين تمرغ وجهه بالذلة والانكسار
خلال المواجهات الشرسة لم تكن بنت جبيل مجرد موقع بل كانت سردية كاملة تعيد تعريف ميزان القوة بعدما تحولت معارك مثل كرم الزيتون وتلة مسعود ومحيط الأحياء السكنية إلى دروس قاسية في حرب المدن والتي أثبتت أن الإرادة المنظمة قادرة على كسر اندفاعة القوة الغاشمة وأن الميدان حين يُدار بعقيدة الاستنزاف وحرب العصابات يصبح أكثر قسوة على المهاجم من المدافع
لعل أكثر ما رسّخ هذه عقدة الرعب لدي الحنود الاسرائيليين هو أن الفشل العسكري لم يكن عابرا أو ظرفيا بل تراكم مع الزمن ليصبح جزءا من الذاكرة المؤسسية للجيش الإسرائيلي فكل عودة إلى محيط بنت جبيل تستحضر تلقائيا شبح 2006 وتعيد إنتاج الإحساس بالعجز عن تحقيق اختراق حاسم وهو ما يفسر شراسة القصف ومحاولات التدمير الواسع التي لا تهدف فقط إلى تحقيق إنجاز ميداني بل إلى الانتقام من ذاكرة مكان أحرج القوة وكشف حدودها
جغرافيا المدينة لعبت دورا مركزيا في هذا المسار فهي ترتفع على تلال مشرفة وتتحكم بتقاطعات طرق حيوية وتطل على مناطق حدودية حساسة ما يجعلها عقدة ربط وقطع في آن واحد ومن يسيطر عليها يملك قدرة التأثير في محيط واسع بينما اصبحت هذه الميزة سلاح فتاك بيد المقاومة حيث استثمرت التضاريس في بناء دفاع مرن قائم على الحركة والمباغتة واستهداف خطوط الإمداد بدل التمركز الثابت وانتظار تقدم القوات الغازية
ذاكرة مجزرة الدبابات في وادي الحجير التي جسدت واحدة من أكثر اللحظات دلالة حين تحولت الميركافا التي كانت رمز التفوق إلى أهداف مكشوفة في كمائن دقيقة أنهكت القوة المهاجمة وأعادت تعريف معادلة الاشتباك حيث لم تعد الآلة الثقيلة ضمانة للتقدم بل عبئا في بيئة قتال معقدة تتحكم بها الأرض قبل السلاح
اليوم ومع تجدد المواجهات وتبدل السياقات الإقليمية تعود بنت جبيل لتفرض نفسها مجددا كمسرح اختبار حيث يسعى العدو إلى إعادة ترميم صورته عبر محاولات التوغل والحصار بينما تعتمد المقاومة نمطا قتاليا يقوم على الاستنزاف وتفكيك الاندفاعة تدريجيا لتبقى النتيجة مفتوحة على معادلة قديمة متجددة مفادها أن الدخول إلى المدينة ممكن لكن الخروج منها بانتصار واضح يكاد يكون مستحيلا
ما يجعل هذه المدينة عقدة حقيقية امام القوات الاسرائيلية ليس فقط سجل المواجهات السابقة بل تلاقي البعد الرمزي مع البعد العملياتي فهي في الوعي الإسرائيلي ليست مجرد هدف تكتيكي بل قلعة يجب كسرها لإعادة الاعتبار للردع وفي المقابل هي لدى المقاومة عنوان لصمود والمقاومة والتضحية يتجاوز الجغرافيا ليصل إلى مستوى المعنى والهوية وهو ما يفسر حجم التركيز عليها في كل جولة صراع متجددة
هكذا تستمر بنت جبيل في أداء دورها كمرآة تعكس حدود القوة الوهمية حين تصطدم بإرادة متجذرة وكميزان يختبر صدقية الخطاب العسكري حين يُترجم إلى واقع ميداني وبين القصف العنيف ومحاولات التقدم بقىت هذه المدينة ثابتة في معادلتها تقدم درسا متكررا واستحضارا صادقا بأن الحروب لا تُحسم دائما بالتفوق بل بقدرة الطرف الأضعف على تحويل ضعفه إلى أداة صمود وإنهاك طويلة النفس
في بنت جبيل لا تُقرأ الجغرافيا بوصفها تضاريس فقط بل كبنية اشتباك متكاملة تفرض منطقها على الميدان فالمدينة الواقعة على تماس مباشر مع الحدود تحولت إلى عقدة ربط حيوية بين محاور القرى والتلال ما يجعل السيطرة عليها مدخلا لإعادة تشكيل الخريطة العملياتية جنوبا لكن هذه الأهمية ذاتها انقلبت إلى عامل إرباك دائم للقوة المهاجمة إذ إن البيئة الحضرية المتداخلة مع الوديان والمرتفعات أفرزت نمطا قتاليا قائما على المرونة والمباغتة واستهداف خطوط الإمداد بدل التمركز التقليدي وهو ما حوّل التفوق الناري لدى إسرائيل إلى عبء في حرب شوارع بطيئة ومكلفة حيث يتآكل الزخم مع كل محاولة تقدم وتتحول المبادرة إلى عنصر ملتبس للحسم السريع غير قابل
في المستوى الأعمق بنت جبيل لم تعد مجرد ساحة مواجهة بل أصبحت جزءا من معركة الوعي حيث تراكم الفشل في اقتحامها أو تثبيت السيطرة عليها ليشكّل ندبة دائمة في الذاكرة العسكرية الإسرائيلية فكل جولة جديدة لا تبدأ من الصفر بل من إرث ثقيل يستذكر إخفاقات سابقة ويقيد حرية القرار بين الحاجة إلى استعادة الردع والخشية من إعادة إنتاج نفس الهزيمة وهذا التوتر البنيوي يفسر الإفراط المتواصل في استخدام القوة التدميرية مقابل محدودية النتائج الميدانية كما يكشف بان الصراع في هذه المدينة يتجاوز الحسابات التكتيكية إلى اختبار مفتوح لقدرة القوة على كسر الرمزية أثبتت التجربة أنه أكثر تعقيدا من أي معركة تقليدية لأنه يدور في آن واحد على الأرض وفي الوعي ولا يُحسم بسهولة في أي منهما
ختاما : لا تبدو مدينة بنت جبيل مجرد محطة في صراع طويل بل عقدة بنيوية في صراع طويل وهي تختزن تاريخا من الفشل الإسرائيلي المتراكم وتعيد إنتاجه كلما تجددت المواجهة لتبقى شاهدا على أن الجغرافيا حين تقترن بالإرادة تتحول إلى قوة لا تُقاس بموازين تقليدية ولا تُكسر بسهولة مهما اشتدت الضغوط وتنوعت أدوات العدوان
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |