د . مهدي مبارك عبد الله
لم تعد الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة في سجل صراعات الشرق الأوسط بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لبنية النظام الإقليمي ولطبيعة التحالفات التي حكمت أمن الخليج لعقود طويلة إذ كشفت الوقائع الميدانية أن المعادلات التقليدية التي قامت على فكرة الحماية الخارجية الصلبة لم تعد كافية لضمان الاستقرار في بيئة تتغير فيها أدوات الحرب بوتيرة أسرع من قدرة التحالفات على التكيف جيث وجدت دول الخليج نفسها في قلب معادلة معقدة فهي من جهة نجحت في تجنب الانخراط المباشر في الحرب لكنها من جهة أخرى لم تنجُ من ارتداداتها الأمنية والاقتصادية حيث امتدت الضربات الإيرانية لتطال منشآت حيوية وتفرض واقعا جديدا يقوم على أن الجغرافيا وحدها كفيلة بإدخال هذه الدول في دائرة الاستهداف حتى وإن لم تكن طرفا في القتال
أحد أبرز التحولات التي فرضتها الحرب يتمثل في إعادة النظر في وظيفة القواعد العسكرية الأجنبية فبعد أن كانت تمثل مظلة ردع وضمانة أمنية بات يُنظر إليها أيضا باعتبارها نقاط جذب للخطر قد تستدرج الضربات إلى أراضي الدول المضيفة وهو تحول في الوعي الاستراتيجي يعكس إدراكا متزايدا بأن الحماية الخارجية قد تتحول في لحظة التصعيد إلى عامل تهديد بحد ذاته
هذا الإدراك لم يدفع دول الخليج إلى القطيعة مع الولايات المتحدة لكنه فتح الباب أمام سياسة أكثر براغماتية تقوم على تنويع الشراكات العسكرية والأمنية بما يقلل من الاعتماد الأحادي ويمنح هامشا أوسع للمناورة السياسية والعسكرية غير أن هذا التوجه يظل محفوفا بتعقيدات كبيرة في ظل حساسية التوازنات الدولية واحتمالات التعرض لضغوط أو عقوبات إذا ما اتجهت هذه الدول نحو شركاء منافسين لواشنطن
في هذا السياق برزت ملامح تحالفات جديدة ذات طابع إقليمي أو شبه إقليمي حيث اتجهت بعض الدول إلى تعزيز التعاون مع قوى في الشرق الأوسط وجنوب آسيا كما ظهرت أنماط غير تقليدية من الشراكات شملت التعاون التقني والعسكري مع أطراف خارج المنظومة الغربية التقليدية بما في ذلك الاستفادة من الخبرات المتراكمة في حروب الطائرات المسيرة وأنظمة الدفاع منخفضة الكلفة غير أن هذه التحالفات الجديدة كشفت بدورها حدود الفعالية إذ أظهرت التجربة أن الاتفاقيات الدفاعية لا تترجم بالضرورة إلى حماية فورية على الأرض وهو ما أعاد طرح سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الالتزامات الدفاعية وآليات تفعيلها في أوقات الأزمات حيث لم يعد يكفي توقيع الاتفاقيات بقدر ما أصبح مطلوبا تحديد آليات تدخل واضحة وقابلة للتنفيذ
في موازاة ذلك برز تحول عميق في العقيدة الدفاعية الخليجية فالحرب أظهرت بوضوح أن التفوق العسكري لم يعد يقاس فقط بحجم الترسانة التقليدية بل بمدى القدرة على مواجهة التهديدات غير المتكافئة مثل الطائرات المسيرة والصواريخ منخفضة الكلفة التي أثبتت قدرتها على استنزاف أنظمة دفاع باهظة الثمن وهو ما دفع نحو إعادة التفكير في بنية الإنفاق العسكري وأولويات التسلح وهذا التحول انعكس في توجه متزايد نحو بناء قدرات دفاعية ذاتية وتطوير صناعات عسكرية محلية قادرة على تلبية احتياجات الأمن الوطني دون الاعتماد الكامل على الخارج وهو مسار يتقاطع مع مشاريع أوسع لتنويع الاقتصادات وتقليل الاعتماد على النفط بما يعزز مناعة هذه الدول في مواجهة الصدمات الجيوسياسية
على صعيد العلاقات مع إيران لم تؤد الحرب إلى قطيعة شاملة بقدر ما فرضت نمطا جديدا يمكن وصفه بالتعايش الحذر أو السلام البارد حيث تدرك دول الخليج أن خيار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة باهظة في حين أن تجاهل مصادر التهديد ليس خيارا واقعيا لذلك يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد سعيا لإعادة ضبط العلاقات وفق قواعد اشتباك غير معلنة تقوم على تحديد خطوط حمراء وتجنب الانزلاق إلى صدام مباشراقتصاديا كشفت الحرب هشاشة سلاسل الإمداد واعتمادها الكبير على الممرات البحرية الحساسة وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي تحول إلى أداة ضغط استراتيجية بيد إيران وهو ما دفع دول الخليج إلى التفكير بجدية في تنويع مسارات التصدير وتعزيز بنيتها التحتية اللوجستية بما يقلل من مخاطر الاختناق الجغرافي
كما أبرزت الأزمة أن أمن الطاقة لم يعد مسألة إنتاج فحسب بل أصبح مرتبطا بتعقيدات النقل والتأمين والاستقرار الإقليمي الأمر الذي يدفع نحو تسريع التحول إلى اقتصاد أكثر تنوعا يعتمد على التكنولوجيا والطاقة المتجددة ويعيد تعريف دور الخليج في منظومة الطاقة العالمية من مجرد مصدر إلى شريك فاعل في مختلف حلقات الإنتاج والتوزيع وفي المقابل كشفت الحرب عن فجوة في الرؤية بين الولايات المتحدة ودول الخليج إذ ما تزال واشنطن تنظر إلى المنطقة من زاوية تقليدية تركز على النفط والأسعار بينما تتجه دول الخليج نحو إعادة تعريف دورها الاقتصادي والاستراتيجي وهو ما يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى مثل الصين لتعزيز حضورها عبر شراكات تقوم على الاستثمار المتبادل ونقل التكنولوجيا
في ضوء هذه المعطيات يمكن القول إن الحرب على إيران لم تغير فقط شكل التهديدات بل أعادت تشكيل طريقة التفكير في الأمن والتحالفات داخل الخليج حيث لم يعد الرهان على قوة واحدة خيارا كافيا ولم يعد الحياد ممكنا بالمعنى التقليدي بل أصبح المطلوب هو إدارة توازن دقيق بين القوى الكبرى مع بناء قدرات ذاتية تقلل من قابلية التعرض للابتزاز أو الاستهداف وهكذا تبلور مشهد إقليمي جديد قوامه تعددية في التحالفات ومرونة في الخيارات وحذر في الانخراط المباشر وهو ما يجعل مستقبل الخليج مرهونا بقدرته على تحويل دروس الحرب إلى سياسات مستدامة تعيد صياغة مفهوم الأمن من الاعتماد إلى الاستقلال النسبي ومن رد الفعل إلى المبادرة الاستراتيجية
المواجهات المتواصلة أظهرت أن القواعد العسكرية الأجنبية التي انتشرت في الخليج بوصفها ضمانة للأمن حيث يمكن أن تتحول إلى أهداف محتملة في حسابات الخصوم وهو ما وضع دول الخليج أمام مفارقة صعبة تتمثل في أن الارتباط الوثيق بالقوة الكبرى قد يرفع كلفة الاستهداف بدلا من خفضها خصوصا في ظل تطور أدوات الحرب غير المتكافئة التي لم تعد تميز بين طرف مباشر وآخر داعم أو مستضيف
التعمق في التفكير الامني دفع بعض دول الخليج إلى ضرورة إعادة النظر في عقيدتها الدفاعية من جذورها ولم يعد الاعتماد الكامل على الحليف الخارجي خيارا آمنا بل باتت الحاجة ملحة لبناء قدرات ذاتية قادرة على التعامل مع التهديدات المتغيرة بسرعة ومرونة وهو ما يفسر التوجه المتزايد نحو تطوير الصناعات العسكرية المحلية وتعزيز منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات التي تجمع بين التقنيات المتقدمة والحلول منخفضة الكلفة
من هذا الواقع برزت أنماط جديدة من التعاون لم تكن مألوفة في السابق شملت توسيع الشراكات الإقليمية والانفتاح على خبرات دول خاضت حروبا غير تقليدية بما في ذلك الاستفادة من نماذج دفاعية أثبتت فعاليتها في مواجهة الطائرات المسيرة وهو ما عكس رغبة في التحول من الاعتماد على منظومات جاهزة إلى البحث عن حلول مبتكرة تتلاءم مع طبيعة التهديد المتجدد
ختاما : الحرب على إيران رغم شراستها لم تستطيع تغير موازين القوى بشكل جذري بين الاطراف المتصارعة بقدر ما غيرت قواعد اللعبة ذاتها حيث انتقل الخليج من مرحلة الاعتماد شبه الكامل على الحماية الخارجية إلى مرحلة البحث عن توازن أكثر تعقيدا يقوم على الجمع بين الشراكات المتعددة وبناء القدرات الذاتية وإدارة المخاطر بدلا من افتراض القدرة على إلغائها وهو تحول قد يشكل في المستقبل القريب الأساس لبناء عقيدة أمنية جديدة أكثر واقعية وأشد ارتباطا بمتغيرات العصر والمرحلة
كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية
[email protected]
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |