هيكل تنظيمي يغرد خارج سرب التحديث الوطني
بقلم: د. ماجد عسيلة
انسجاما مع الحوكمة والشفافية وفتح باب المشاركة في تجويد الأنظمة الأردنية قبل صدورها، وبصفتي ممن قضوا سنوات طويلة في مفاصل وزارة الشباب القيادية، مساعدا للأمين العام لشؤون التدريب وللشؤون المالية والإدارية ومديرا لمركز اعداد القيادات الشبابيةلسنوات وللاعلام والاتصال مثلها، ومن موقع الخبير الأكاديمي والإداري الذي يعلم تماما الفوارق الجوهرية بين "الأرقام على الورق" و"الواقع في الميدان"، أخاطب معالي وزير الشباب بلغة المصارحة التي تقتضيها الأمانة المهنية والوطنية تجاه مسودة نظام التنظيم الإداري لوزارة الشباب لسنة 2026.
معالي الوزير، إن ما نشر على موقع ديوان التشريع والرأي "نظام التنظيم الإداري لوزارة الشباب لسنة 2026" ليس مجرد "إعادة هيكلة"، بل هو في الحقيقة صدمة إدارية تعيدنا عقودا إلى الوراء، وتناقض بشكل صادم توجهات الدولة والحكومة الأردنية في "خارطة طريق تحديث القطاع العام" للاعتبارات التالية:
أولا: التضخم البيروقراطي ومخالفة رؤية التحديث الملكية؛ ففي الوقت الذي تنادي فيه الدولة بالترشيق الإداري من خلال تسطيح الهياكل التنظيمية، ودمج المؤسسات لتقليل الكلف المالية وتسريع الإنجاز، يأتي الهيكل المقترح ليخلق "تضخما أفقيا وعموديا" مرعبا، من خلال استحداث 7 إدارات كبرى يتبعها عشرات المديريات والأقسام وهو تكريس للبيروقراطية القاتلة التي يسعى جلالة الملك وسمو ولي العهد لتفكيكها.
هذا الهيكل المقترح يخلق حلقات وصل معطلة تقتل روح المبادرة، ويحول الوزير والأمين العام من ممارسة الأدوار القيادية، إلى أسرى لـ "نطاق إشراف" مشتت يستحيل معه التركيز على رسم السياسات الاستراتيجية.
معالي الوزير، اسمح لي أن أذكركم برقم تعرفه ردهات الوزارة جيدا، فمركز الوزارة يضم ما يقارب 140 موظفا فقط بين مدير ورئيس قسم وموظف، فكيف يستقيم إداريا أو عقليا أن نصمم هيكلا يضم ما يقارب 40 منصبا قياديا (إدارات ومديريات ووحدات)؟.
إن هذا التصميم سيوصلنا إلى نتيجة هزلية وهي "مدير لكل موظفين أو ثلاثة"، ورئيس قسم لكل موظف، مما سيضطر الوزارة حتما إلى القيام بعملية "إفراغ الميدان" وسحب الكوادر المؤهلة منه على ندرتها من المحافظات، باعتبار أن أكثر من نصفهم دون الثانوية العامة من إجمالي يقارب 1400 موظف، وذلك لملء مكاتب ومناصب الهيكل التنظيمي المقترح في مركز الوزارة في عمان... هذا ليس تحديثا، بل "تدمير" للعمل الشبابي الميداني في القرى والبوادي والمخيمات.
معالي الوزير، لقد عانت الوزارة لسنوات من التركيز على عملية "التعاقب الوظيفي" اتبعه وزراء بالاحالات على التقاعد المبكر، مما خلق فجوة هائلة في الصف الثاني وأنت أكثر من شعر بذلك.
إن استحداث مديريات فنية معقدة في هذا التوقيت هو رهان خاسر، لأنكم لن تجدوا الكوادر المؤهلة لشغلها وفق بطاقات الوصف الوظيفي والشروط الحديثة للتعيين بدءا من الاعلان واجراء الامتحانات التنافسية وانتهاء بالمقابلات وهي عملية صعبة تذوقنا مرارتها سابقا.
إن تصميم هيكل تنظيمي مبني على "أمنيات" لما سيكون عليه دور وشكل الوزارة مستقبلا، مع تجاهل الواقع الاقتصادي المؤلم للدولة، هو "مصيبة إدارية" ستتحمل الوزارة تبعاتها المالية من ارتفاع حاد في النفقات الجارية والرواتب على حساب البرامج الشبابية.
يبدو أن التسرع في إخراج الهيكل التنظيمي المقترح للوزارة، أدى إلى سقوط ذكر مدراء ست مدن رياضية وشبابية من الهيكل المقترح ولمن يتبعون إداريا وفنيا، وهذا يعد "سقطة فنية" لا تغتفر، وتكشف بوضوح أن من خطط ونسب يفتقر للمعرفة بواقع المنشآت الشبابية والرياضية في المحافظات، كما يعد هذا التسرع استهتار بمستقبل المؤسسة.
معالي الوزير،،
عتابي لكم كقانوني ومحافظ سابق كبير؛ أنكم ربما بخلتم والأمين العام -بسبب انشغالاتكم- في توجيه من قام بإعداد هذا الهيكل من أبناء الوزارة الذين يفترض بهم حمايتها من الترهل، أما إذا كان هذا العمل الإداري نتاج "خبراء" من خارج الأسوار، فإنني أطالبكم من جانب المحب، برفض هذا الهيكل جملة وتفصيلا، لأنه هيكل متهور وضعيف، ولا ينسجم مع واقع الدولة الاقتصادي ولا مع تطلعات التحديث الإداري.
إن الوزارة لا تحتاج إلى "وجاهات إدارية" ومسميات مستحدثة، بل تحتاج إلى تمكين الميدان واستثمار الموارد المحدودة لخدمة الشباب الأردني الذي ينتظر منا الحلول لا التعقيدات.. ولكم التقدير والإحترام.
|
لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
|
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |