رم - تعتبر الاحداث السياسية والاقتصادية والازمات والتوترات الاقليمية مجالا خصبا لانتشار الاشاعات في المجتمعات، ومع الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي وجدت هذه الاشاعات ادوات تساعدها على الانتشار السريع مسببة ضررا كبيرا، سواء على صعيد السياسة او الاقتصاد في الدولة، وكذلك الضرر الذي يلحق بالافراد جراء ردود الفعل المتسرعة التي يقومون بها للتعامل معها، وربما الضرر الاقتصادي على الفرد اوضح، ولنا بالاشاعة التي تحدثت عن اقتراب اتخاذ قرار بقطع الكهرباء الاسبوع الماضي مثالا واضحا على الخسارة الاقتصادية للافراد.
وفي هذا السياق أكد المفتي الدكتور محمد حسن الرواشدة انه في أوقات الشدائد التي تمر بها الدولة يصبح تحري الصدق وطلبه والحرص عليه علامة على صدق التقوى، إذ يصير لزاماً على المواطن أن يتحرى الصدق وأن يجتنب الكذب والإشاعة، وأن يلزم الجماعة وأن يكون سدَّاً يمنع نفسه من نشر الإشاعة ويمنع غيره من إفشائها؛ ذلك لأن إشاعات السُّوء والتي تمس في غالب الأحيان شؤون البلد العامة أو شؤون الأمَّة وسَير أعمالها، لا تقلُّ ضررًا في كِيان الأمَّة، وسلامة الوطن عن التجسُّس للعدوِّ على دخائلها، ومواطن قوَّتها وضعفها؛ فكلُّ ذلك خدمة للعدوِّ، وموالاة له.
واضاف الرواشدة في تصريح للرأي انه وفي مثل هذه الحالات لا ينفع حُسن النية من سوئها، إذ يصير الواجب الحرص على تجنب إشاعة الأخبار غير الدقيقة، أو التي تسهم في تثبيط الهمم العالية أو نشر الخوف أو الذعر بين الناس في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بين الناس، والتي ساهمت بشكل كبير في توسيع دائرة تناقل الأخبار غير الدقيقة، جاعلاً المسلم همه توحيد صف المسلمين ولا يكن همه جمع المشاهدات وقطف الإعجابات وتصدر الصفحات فإن الحكمة هي الخير الذي إذا أعطاه الله تعالى لعبد نجى ونجح، ومن أبسط معانيها قول ما ينبغي أن يُقال في الوقت المناسب والأسلوب المناسب.
ونبه الرواشدة الى ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر العوام من الناس ترك الكلام والخوض فيما لا يعنيهم من الأمور، وترك الخوض والكلام فيما لا يحسنون فهمه من الأحداث التي تدور من حولهم وترك كل شأن وأمر لأهله، وخير شاهد ودليل على ذلك أن الله تعالى قد سماهم في القرآن الكريم باسم "المرجفون" ولو دققنا في كتب التفسير لآيات القرآن الكريم لوجدنا أن معنى هذا المصطلح الوارد في سورة الأحزاب "هم الذين ينشرون الأخبار الكاذبة، الشائعات، والأراجيف (الأخبار المُقلقة) بين الناس، وخصوصا في أوقات الأزمات وفي وقت الحروب، وكان الهدف الذي يطمحون إليه من نشر مثل تلك الأراجيف والشائعات زعزعة استقرار المجتمع، إضعاف معنويات المؤمنين، ونشر الفتنة والخوف، مبينا ان الواجب على الجميع من مختلف فئات المجتمع الذين يتلقوا تلك الأخبار والإشاعات أن يساهموا بالتصدي لمن يستغل حاجة الناس وعوزهم في أوقات الحروب والأزمات، والتصدي للمرجفين الذين يبثون في صفوفهم الأراجيف.
واوضح الرواشدة ان نبينا الكريم الذي هو القدوة والأسوة لنا كان له من الهدي النبوي الكريم ما يكفل تنفير المسلم من الإشاعة ونشرها وبثها، فلقد عدَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب الذي يستحق صاحبه الإثم الشديد فعن حفص بن عاصم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع ) رواه مسلم، وهذا الأمر مطالب به ناشر الخبر وناقله، فالناشر واجبه التثبت والتحقق من أي شيء قبل نشره وواجبه كذلك أن يوازن بين مصالح النشر والمفاسد التي تترتب عليه؛ إذ أن من القواعد التي أجمع العقلاء من الناس على صحتها تلك المقالة التي تقول: (ليس كل ما يُعلم يُقال)، وكذلك تلك المقالة التي تسطر بالذهب (ما يُقال في المجلس الخاص لا يُقال في المجلس الغاص) والمثل العليا ومصالح المسلمين ومصالح الأوطان هي البوصلة التي لا ينبغي لناشر الخبر أن يفقدها، وكذلك ناقله فإن تعارض نشر خبر معين مع المصالح العليا للمسلمين ولبلادهم فإن خير ما يُقال عندئذٍ (أن الكلام إذا كان من فضة فإن السكوت من ذهب).الراي