رم - طارق خميس أبو سليم
لا أسطر مقالي هذا على سبيل التنظير الاجتماعي أو الاقتصادي، فلست خبيراً في أيٍّ منهما، ولا من باب استعراض البهرجة الاجتماعية، فالشغل الشاغل في حديث الأردنيين اليوم هو مشروع قانون الضمان الاجتماعي، حتى نال الحيز الأكبر من نقاشاتهم واهتمامهم خلال الشهر الفضيل، فهذا المقال ليس مقاربة عاطفية، ولا قراءة انطباعية، بل محاولة للنظر إلى مشروع القانون من زاوية تشريعية بحتة، فكلما مرت (15) خمسة عشر عاماً تطل علينا الدراسة الاكتوارية لتكون عملياً "شماعة" لتعديل القانون، غير أن مشروعاً بهذا الحجم لا ينبغي أن يُختزل في دراسة اكتوارية مهما بلغت دقتها، بل يحتاج إلى دراسات منهجية متكاملة تقيس التأثير الاجتماعي والاقتصادي والمالي بصورة شاملة، بحيث تكون الدراسة الاكتوارية جزءاً من هذه المنظومة، لا عنوانها الوحيد.
فأما التأثير الاجتماعي، فحدث ولا حرج عن تبعات قد تثقل كاهل المواطن، خاصة في ظل ضغوط معيشية متراكمة، وأزمات اقتصادية متلاحقة، وتعديلات تشريعية لا تراعي خصوصية المواطن، وبالحديث عن الضمان الاجتماعي فهو ليس مجرد نظام تقاعدي، بل هو مظلة أمان تُبنى عليها خطط الأسر واستقرارها، وأي تعديل يمس سن التقاعد، أو شروط الاستحقاق، أو آلية احتساب المنافع، لا ينعكس على أرقام مجردة، بل على حياة الناس مباشرة، وعلى إحساسهم بالأمان الوظيفي والمستقبلي.
وأما التأثير الاقتصادي، فقد كنت أتمنى أن يتسع النقاش لمسألة الاشتراك الاختياري، وتأثير التعديلات المقترحة على هذه الفئة تحديداً، فالمشترك اختيارياً هو في الغالب خارج الاقتصاد المنظم أو في حالة انقطاع عن العمل، ومع ذلك اختار أن يبقى تحت مظلة الحماية الاجتماعية، فإذا جاءت التعديلات بما يجعل الاشتراك أقل جدوى أو أعلى كلفة أو أكثر تعقيداً، فإن العزوف سيكون النتيجة الطبيعية، وهو ما ينعكس سلباً على قاعدة المشتركين وعلى الاستدامة التي يُراد تعزيزها، فإذا افترضنا – على سبيل المثال – أن عدد الأردنيين في دول الخليج يقارب (800) ألف مواطن، وأن نصفهم فقط يمكن أن ينخرط في الاشتراك الاختياري بمتوسط (100) دينار شهرياً، فإن العائد السنوي قد يصل إلى نحو (480) مليون دينار، وهو رقم ليس هامشياً في معادلة الاستدامة المالية، غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الأرقام المجردة، بل في البيئة التشريعية التي تُحفّز أو تُنفّر، فإذا اقترنت التعديلات المقترحة برفع سن التقاعد لهذه الفئة، أو بتشديد شروط الاستحقاق، فإن الرسالة الضمنية التي يتلقاها المغترب ستكون مختلفة تماماً: مزيد من الاشتراك مقابل أفق استحقاق أبعد وأقل وضوحاً، وفي هذه الحالة، يصبح العزوف عن الاشتراك الاختياري احتمالاً واقعياً، لا افتراضاً نظرياً؛
فالمغترب الأردني، بخلاف الموظف أو العامل داخل المملكة، لا يخضع لالتزام تأميني إجباري، بل يتخذ قرار الاشتراك من منطلق قناعة وجدوى، وأي تعديل يمس سن التقاعد سيخضع لحسابات شخصية دقيقة: متى سيستفيد؟ وهل البدائل اللتأمينية الأخرى أكثر جدوى؟ ومن منظور اقتصادي بحت، فإن انخفاض نسبة الاشتراك من 50% إلى 30% مثلاً نتيجة رفع سن التقاعد، سيخفض العوائد السنوية من نحو (480) مليون دينار إلى ما يقارب (288) مليون دينار فقط، أي أن الأثر العكسي قد يبدد جزءاً كبيراً من الإيرادات المتوقعة، ومن هنا، فإن معالجة الاستدامة لا ينبغي أن تُبنى فقط على تعديل سن التقاعد أو شروط الاستحقاق، بل على تصميم حوافز تشريعية ذكية تستقطب هذه الشريحة الواسعة، وتبقيها ضمن مظلة الضمان، بدلاً من دفعها خارجها، فالاشتراك الاختياري ليس عبئاً على الصندوق، بل فرصة لتعزيز قاعدته التمويلية إذا أُحسن تنظيمه تشريعاً.
أما التأثير المالي، فهو الحجة الأكثر حضوراً في كل تعديل، تحت عنوان "استدامة أموال الضمان الاجتماعي"، غير أن السؤال المشروع يظل قائماً: هل استُنفدت جميع البدائل قبل تحميل المؤمن عليهم كلفة الإصلاح؟ وهل تم تقييم كفاءة إدارة الاستثمارات، وحجم التهرب التأميني، ونسب التحصيل، قبل الاتجاه إلى تعديل شروط الاستحقاق أو زيادة الاشتراكات؟ إن الاستدامة المالية غاية مشروعة، لكنها لا ينبغي أن تتحقق على حساب العدالة التأمينية أو المساس بالمراكز القانونية المستقرة، فالدراسة الاكتوارية، بطبيعتها، تقوم على افتراضات وسيناريوهات: معدلات النمو، التضخم، البطالة، متوسط الأعمار، ونسب الاشتراك، وهذه الافتراضات ليست مسلمات نهائية، بل تقديرات قابلة للتغير، ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط عرض نتائج الدراسة، بل نشر فرضياتها ومنهجيتها، وإتاحة نقاش علمي حولها، حتى لا تبقى أرقاماً تُستخدم لتبرير توجه تشريعي مسبق.
ومن منظور تشريعي، فإن مشروع القانون يحتاج إلى تقييم أثر تشريعي حقيقي يحدد المشكلة بدقة، ويحلل البدائل الممكنة، ويقيس الأثر المالي والاجتماعي والاقتصادي، ويوازن بين الاستدامة والعدالة، وبين حماية الصندوق وحماية المؤمن عليهم، فالضمان الاجتماعي ليس مؤسسة ربحية، بل عقد اجتماعي ضمني بين الدولة والمجتمع، قوامه الثقة طويلة الأمد.
إن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على المفاجأة أو التدرج غير المدروس، بل على الشفافية والحوار المجتمعي الواسع، فالقانون الذي يمس كل بيت أردني، لا يكفي أن يكون متوازناً مالياً، بل يجب أن يكون مقنعاً مجتمعياً وعادلاً تشريعياً، فالمسألة أبعد من أرقام وجداول؛ إنها تتعلق بثقة المواطن في منظومة الحماية الاجتماعية، وإذا ما اهتزت هذه الثقة، فإن إعادة بنائها ستكون أصعب من أي معادلة اكتوارية.