مضيق هرمز .. الورقة الإيرانية الأخيرة في وجه التهديدات الأمريكية


رم - لم تتوقف ناقلات النفط العملاقة عن شق مياه الخليج والمرور عبر مضيق هرمز، لكن جديد المكان منذ أسابيع هو حالة الهدوء الحذر الذي يخيّم على أضيق نقطة مائية تربط الخليج العربي بخليج عُمان.

الحرس الثوري الإيراني يراقب عبر زوارقه السريعة ومنصاته الصاروخية هذه الحركة، وهي ليست بالهينة، فهي تمثل ربع تجارة النفط المنقولة بحرا ونحو 11% من حجم التجارة العالمية ككل، في حين ترصد الرادارات تحركات الأسطول الأمريكي الذي يواصل حشده العسكري غير المسبوق في المنطقة.

كل هذا، يجري بالتزامن مع مفاوضات بدأت في مسقط ثم انتقلت إلى جنيف، في مشهد يلخص توترا متصاعدا قد ينفجر في أي لحظة.

الخيار الأخير
مضيق هرمز ليس مجرد ممر ملاحي لإيران، إذ يمثل الورقة الأخيرة في يدها، والسلاح الذي يمكن أن تلوّح به إذا فشلت جميع المسارات الدبلوماسية.

وفي ظل التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بشن عمل عسكري "ضخم"، يبرز مضيق هرمز كأقوى أوراق الضغط الإيرانية، فهو ليس مجرد ممر ملاحي يمر عبره 20 مليون برميل نفط يوميا، بل هو أيضا "الخيار الأخير" لتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.

وبسبب هذا الحجم من النفط الذي يمر من خلاله، فإن أي اضطراب فيه سيكون ذا أثر فوري على الأسواق والطاقة.

ويمكن تعطيل الملاحة عبر مزيج من ألغام بحرية وصواريخ ساحلية وزوارق سريعة، لكن هذا السيناريو يُنظر إليه غالبا بوصفه الخيار الأخير بسبب كلفته الباهظة على إيران نفسها وعلى شركائها التجاريين، وفي مقدمتهم الصين باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني، فضلا عن تداعياته على دول الخليج.

ولهذا السبب، يظهر هذا الخيار عادة في تصريحات نواب أو وسائل إعلام محلية أكثر مما يرد على لسان المسؤولين التنفيذيين الكبار، الذين يدركون أن ورقة هرمز قد تنقلب إلى أزمة دولية شاملة لا يمكن التحكم بمسارها بسهولة.
إغلاق المضيق لساعات
وفي رسالة ميدانية واضحة تزامنت مع جولة المفاوضات الثانية في جنيف، أعلن التلفزيون الرسمي الإيراني إغلاق مضيق هرمز لعدة ساعات لتنفيذ المرحلة الثانية من مناورات "التحكم الذكي بمضيق هرمز".

وأكد قائد القوات البحرية في الحرس الثوري، علي رضا تنكسيري، أن "قرار إغلاق المضيق بيد كبار مسؤولي النظام"، معلنا استعداد الجيش لإغلاقه في أي وقت.

وأظهرت لقطات مصورة نشرتها وكالة فارس الإيرانية إغلاق القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الممر المائي الحيوي أمام حركة الملاحة بالتزامن مع إطلاق صواريخ متطورة واستخدام طائرات مسيرة وغواصات، وهو ما وجه رسالة حول قدرة إيران العالية، واستعدادها لمواجهة أي تهديد وفق الوكالة.

وأوضح تنكسيري أن الأسلحة المستخدمة في زمن الحرب تختلف عن تلك المستخدمة في المناورات، مشددا على أن "الرد السريع والشامل على مخططات الأعداء" هو المحور الأساسي لاختبار الجاهزية.

احتجاز 3 سفن
وفي حين تستمر المناورات، كشفت صور الأقمار الصناعية الحديثة عن تمركز 3 سفن أجنبية محتجزة في نطاق بحري ضيق قرب "بندر عباس".

وتُظهر البيانات أن السفن الثلاث لا تزال راسية في مواقع شبه ثابتة منذ فترات ممتدة، مما يحولها من مجرد قضايا قانونية إلى "أصول بحرية" ضمن حسابات الردع الجيوسياسي.

ويمنح هذا التمركز قرب المدخل الشمالي للمضيق طهران القدرة على التعامل مع الحمولات المصادرة ضمن نطاق سيادتها، وتنقل رسائل ضغط كلما تعثرت المسارات الدبلوماسية.

المفاوضات والتهديدات
على الطرف الآخر، نقل موقع "أكسيوس" عن مستشار للرئيس دونالد ترمب قوله إن هناك احتمالا بنسبة 90% لشن عمل عسكري ضد إيران في الأسابيع المقبلة، واصفا العملية المرتقبة بأنها ستكون "ضخمة وتشبه حربا شاملة".

وفي حين أكد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن واشنطن ستمنع إيران من حيازة سلاح نووي "بطريقة أو بأخرى"، ردت طهران عبر المتحدثة باسم حكومتها بأنها تتبع مسار "التفاوض والجاهزية الدفاعية" بشكل متواز.

ومع تأكيد التقارير أن إدارة ترمب باتت أقرب إلى "حرب كبرى" قد تستمر لأسابيع، يبدو أن مضيق هرمز يتهيأ ليكون "ساحة الصراع الأولى" إذا ما قررت القيادة السياسية تحويل التهديدات إلى واقع ملموس.
شريان الطاقة العالمي
وتنبع أهمية مضيق هرمز من كونه الممر البحري الوحيد للخليج العربي إلى المياه المفتوحة والعالم، إذ يمر عبره نحو 11% من حجم التجارة العالمية، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، وما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، بما يعادل أكثر من 20 مليون برميل يوميا، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، وذلك وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عام 2024 والربع الأول من 2025.

ولا يقتصر دور المضيق على كونه ممرا ملاحيا، بل ارتبط تاريخيا بالصراعات الكبرى في المنطقة، وتحوّل منذ ثمانينيات القرن الـ20 إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح والصراعات الإقليمية والدولية وورقة ضغط مؤثرة.

وبحلول منتصف يونيو/حزيران 2025، بلغ متوسط حركة السفن في المضيق نحو 144 سفينة يوميا، ويحتل مضيق هرمز أهمية بالغة في مجال الخدمات اللوجستية، إذ تظل البدائل العملية لتصدير منتجات الطاقة محدودة جدا، ويؤدي إغلاقه، ولو مؤقتا، إلى تعطيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الشحن، بما يفضي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميا.

إغلاق المضيق
إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل -إن حدث- سيؤدي إلى نقص حاد في إمدادات النفط والغار وانهيار أسواق الطاقة العالمية، وقد يدفع سعر برميل النفط إلى 100 دولار أو أكثر في غضون أيام، كما أنه سيدفع تكاليف التأمين البحري إلى الارتفاع بنسب هائلة.

وعسكريا سيؤدي الإغلاق إلى اعتبار الولايات المتحدة وحلفائها حرية الملاحة في المضيق خطا أحمر، وقد يتدخلون عسكريا لإعادة فتحه مع سيناريوهات مفتوحة إذا نشبت الحرب.

وفي هذه المياه الضيقة، تتشكل معادلة معقدة، مفاوضات في جنيف، وتهديدات في واشنطن، ومناورات في هرمز، وسفن محتجزة قرب بندر عباس، ويبقى السؤال الذي يلوح في الأفق "هل سيبقى هذا المضيق ممرا آمنا للطاقة العالمية، أم أنه سيتحول إلى ساحة مواجهة بين طهران وواشنطن إذا فشلت المفاوضات؟".

المصدر: الجزيرة + وكالات




عدد المشاهدات : (4323)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :