رم - عاطف أبو حجر
صمت الرحيل كان أقوى من أي إعلان؛ رحل الفنان جودت صالح، لكن أثره بقي حاضرًا في كل مشهد وكل ذكرى. وفي زمنٍ تتسابق فيه الأخبار لتحتل الشاشات، كيف يمكن لرحيل فنان أن يمر دون صدى؟ كيف تُسدل الستارة بعيدًا عن الوداع الأخير؟ بين دهشة الخبر ومرارة التأخر، نقف أمام حقيقة موجعة: لقد رحل بصمت من كان حضوره يومًا يملأ المشهد. ليس هناك أقسى من خبر الرحيل، إلا أن يصل متأخرًا. أن نفتح أعيننا على غيابٍ حدث منذ عام ونصف، فنشعر أن الفقد يتجدد مرتين؛ مرة حين غاب الجسد، ومرة حين غاب الخبر. هكذا رحل فنان كان جزءًا من ذاكرتنا البصرية، ومضى بصمت لا يشبه إلا نقاء حضوره.
تسليمًا بقضاء الله وقدره، تلقّى الوسط الفني الخبر. بدأ الأمر بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي يسأل عن أخبار الفنان جودت صالح، فجاء الرد من نجله مؤكدًا وفاته بتاريخ 22/8/2024، سائلًا الدعاء له بالرحمة والمغفرة.
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتنتشر في لحظات، كيف يمكن لفنان بحجمه أن يرحل بصمت؟ كيف يغيب وجه كان حاضرًا في ذاكرة الدراما الأردنية والعربية دون أن تُسدل عليه الستارة الأخيرة بحضور محبيه؟
لم يكن ممثلًا عابرًا، بل فنانًا مثقفًا حاصلًا على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، انعكس ذلك على حضوره الواعي وأدائه المتزن. انتمى إلى جيل السبعينيات والثمانينيات، وأسهم في ترسيخ ملامح الدراما الأردنية والعربية بروحه الهادئة وموهبته الصادقة.
شارك في عدد من الأعمال الدرامية والتاريخية، منها: هارون الرشيد، دليلة والزيبق، الظاهر بيبرس، زنوبيا ملكة تدمر، السيف الذهبي، صقور الصحراء، الكواكبي، أحمد بن ماجد، إلى جانب أعمال أخرى مثل الغدير وتل الفخار، التي شكّلت محطات بارزة في مسيرته الفنية.
تميّز حضوره بالصدق والبساطة، بعيدًا عن الادعاء، قريبًا من الناس، مخلصًا للنص وللشخصية التي يجسدها. لم يكن يسعى إلى الأضواء بقدر ما كان يسعى إلى إتقان الدور، فبقي أثره في الذاكرة وإن غاب اسمه عن العناوين.
الأصعب من الرحيل أن يحدث بصمت؛ أن يمضي فنان أعطى سنوات عمره للفن دون أن يعلم زملاؤه ومحبيه بخبر وفاته إلا بعد زمن طويل. في ذلك ما يوجع القلب ويدفعنا لمراجعة أنفسنا، أفرادًا ومؤسسات، في كيفية الوفاء لمن صنعوا ذاكرتنا البصرية.
اليوم، وبعد تأكيد الخبر من أسرته، نقف أمام الحقيقة متأخرين، نحاول أن نلمّ كلمات الرثاء، وأن نعتذر للراحل لأننا لم نكن هناك ساعة الوداع.
رحلت بعيدًا عن الضجيج الذي لم تطلبه يومًا، لم تعتب ولم تغضب، لم تنتظر زيارة من أحد أو تكريمًا يليق بتاريخك الفني، وبقيت وفيًا لبساطتك حتى في وداعك.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمته من فنٍ راقٍ وأثرٍ طيب في ميزان حسناتك.
ستبقى صورتك في أعمالك، وصوتك شاهدًا على زمن كان فيه الفن رسالة، وكان فيه الممثل قيمة.