قراءة تحليلية في السردية الأردنية وعروبية الدولة في فكر دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة


رم - الدكتور نسيم أبو خضير
في زمن تتكاثر فيه السرديات المتضاربة ، وتُعاد فيه كتابة التأريخ وفق الأهواء والمصالح ، يبرز حديث دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة عن السردية الأردنية بوصفه محاولة جادة لإعادة تثبيت البوصلة الوطنية ، لا عبر الشعارات ، بل عبر قراءة واعية للتأريخ والهوية والدولة .
ما طرحه الروابدة لا يمكن إختزاله في خطاب سياسي عابر ، بل هو مشروع وعي وطني يستحق التوقف عنده وتحليله ، لما يحمله من دلالات عميقة تتصل بجوهر الدولة الأردنية ، وعلاقتها بهويتها الوطنية وبعروبتها ، وبالإنسان الذي شكّل عمودها الفقري .
ينطلق فكر الروابدة من قناعة أساسية مفادها أن الأردن ليس بحاجة إلى تبرير وجوده أو الدفاع عنه ، لأنه دولة ذات جذور تأريخية وحضارية راسخة .
فالسردية الأردنية ، كما يراها ، ليست ردّ فعل على تشكيك الآخرين ، بل فعل تأسيسي يعيد تعريف الذات الوطنية من الداخل .
فالأردن ، وفق هذه الرؤية ، ليس كيانًا وُلد من فراغ ، ولا دولة تشكّلت على هامش التأريخ ، بل مساحة إنسانية وحضارية تعاقبت عليها الأمم ، وأستقرت فيها قيم الإعتدال والتعايش والكرامة . وهذه الحقيقة ، برأي الروابدة ، يجب أن تُروى للأجيال بوعي ، لا أن تُترك للتأويل أو التهميش .
عروبية الأردن : هوية دولة لا شعار أيديولوجي .
من أبرز ما ميّز طرح الروابدة تأكيده أن عروبية الأردن ليست إدعاءً سياسيًا ولا خطابًا عاطفيًا ، بل خيار دولة منذ تأسيسها . ويستدل على ذلك بدلالات رمزية وعملية في آن واحد ، لعل أبرزها أن النشيد المتداول وجدانيًا لدى الأردنيين هو “ بلاد العرب أوطاني ”، في إشارة واضحة إلى أن الأردن لم يُرد يومًا أن يرى نفسه معزولًا عن محيطه العربي .
هذه العروبة لم تُترجم في الخطاب فقط ، بل في الممارسة ، إذ شهدت الحكومات الأردنية عبر تأريخها مشاركة واسعة لعرب من مختلف الأقطار في مواقع القرار ، دون أن يُنظر إلى ذلك بوصفه تهديدًا للهوية الوطنية . وعلى العكس ، إعتبر الروابدة هذا الأمر دليل قوة وثقة بالدولة ، لا علامة ضعف .
فالدولة الواثقة من نفسها لا تخشى الآخر ، بل تحتضنه ضمن منظومة قانونية وهوية جامعة .
وفي واحدة من أكثر العبارات دلالة ، قال الروابدة :
“ نحن وفلسطين لسنا علاقة جيران ، بل علاقة شراكة .”
هذه العبارة تختصر رؤية أردنية متجذرة ترى في القضية الفلسطينية جزءًا من الذات الوطنية ، لا ملفًا خارجيًا أو ورقة سياسية . فالعلاقة الأردنية الفلسطينية ، في السردية التي يقدمها الروابدة ، ليست علاقة حدود ، بل علاقة دم ، وتأريخ ، ومصير مشترك ، علاقة شراكة ، وهو ما يفسّر ثبات الموقف الأردني تجاه فلسطين ، بعيدًا عن المزاودات أو التقلبات .
ويركز الروابدة في قراءته للسردية الأردنية على عنصر غالبًا ما يُغفل : المواطن الأردني . فتميّز الأردن ، برأيه ، لا يكمن في وفرة الموارد ولا في الإمتداد الجغرافي ، بل في إنسانه ، وفي وعيه ، وتماسكه ، وقدرته على التعايش دون أن يفقد هويته .
والأردني ، في هذه السردية ، لا يشعر بالتهديد من العروبية ، لأنها جزء من تكوينه ، ولا يخشى التعدد ، لأنه واثق من جذوره .
وهنا لا تكتمل قراءة فكر الروابدة دون التوقف عند القيادة الهاشمية ، التي يراها عنصر التوازن والإستمرارية في السردية الأردنية . قيادة حافظت على العروبة دون تهور ، وعلى السيادة دون عزلة ، وعلى الإستقرار دون تنازل عن المبادئ .
بهذا النهج ، إستطاع الأردن أن يحافظ على مكانته الإقليمية والدولية كدولة تُحترم مواقفها ، لا لأنها الأعلى صوتًا ، بل لأنها الأوضح رؤية .
إن قراءة السردية الأردنية في فكر دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة تكشف أننا أمام مشروع وعي لا خطاب مناسبة . مشروع يدعو إلى :
_ فهم التأريخ بدل تجميله .
_ والإعتزاز بالهوية دون تعصب .
_ والإنفتاح دون ذوبان .
وهو ما يجعل هذا الطرح دعوة صريحة لإعادة بناء الوعي الوطني ، خاصة لدى الأجيال الشابة ، على أساس المعرفة لا الإنفعال ، وعلى الفهم لا التلقين .
الأردن ، كما يراه الروابدة ، لا يحتاج إلى تضخيم صورته ، لأن قيمته الحقيقية تكمن في هويته العروبية الراسخة ، ومواطنيه ، وقيادته التي إختارت الحكمة طريقًا لها .



عدد المشاهدات : (4499)

تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة رم للأنباء - أخبار عاجلة، آخر الأخبار، صور وفيدوهات للحدث. علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :