رم - كتبت شيرين قسوس
حين يتحوّل الحق إلى مكرُمة، لا يعود الظلم بحاجة إلى سوط، يكفيه خطابٌ مُنمَّق وابتسامةُ متفضِّل. عندها يُعاد تعريف الأشياء بصفاقة: ما هو واجب يُقدَّم كمنّة، وما هو حقّ يُسوَّق كصدقة، وما هو استحقاق يُعلَّق على “حُسن السلوك” و“جميل الشكر”. في هذا المشهد المقلوب، لا يُسلب الإنسان حقه دفعةً واحدة؛ يُنتزع منه أولًا وعيُه به.
الحقّ، في جوهره، لا يحتاج إذنًا ولا يتسوّل رضًا. الحقّ لا يُمنَح ولا يُسحَب، لا يُغلَّف بورق الاحتفالات ولا يُعلن في بيانات الامتنان. لكنه حين يتحوّل إلى مكرُمة، يُجرَّد من طبيعته الصلبة ويُعاد تقديمه كفضلٍ شخصي، كهديةٍ مشروطة، كتنازلٍ كريم من صاحب سلطة يرى نفسه فوق القانون، وفوق الناس، وفوق المعنى نفسه.
وهنا تبدأ المسرحية الرديئة: يُطالَب صاحب الحقّ بالشكر بدل المطالبة، وبالامتنان بدل السؤال، وبالصمت بدل الاعتراض. تُعلَّق الحقوق على مزاج المسؤول، وتُربَط بالخضوع، وتُقاس بجرعات الولاء. من يعترض يُتَّهم بالجحود، ومن يطالب يُصنَّف ناكرًا للجميل، وكأن الكرامة تهمة، وكأن السؤال خيانة.
أخطر ما في تحويل الحق إلى مكرُمة أنه لا يكتفي بإفقار الواقع، بل يُفسد اللغة. الكلمات نفسها تُصاب بالعدوى: “نمنح”، “نتكرّم”، “نراعي”، بدل “نلتزم”، “نؤدّي”، “نحترم”. اللغة، حين تُدنَّس، تُدنِّس الوعي. وحين يختلط الواجب بالفضل، يُمحى الحدّ الفاصل بين الدولة والجمعية الخيرية، بين القانون والصدقة، بين المواطن والمتسوّل.
وفي هذا المناخ، تزدهر الرداءة. لأن المكرُمة بطبيعتها انتقائية، تُعطى لهذا وتُحجَب عن ذاك، تُستخدم للثواب والعقاب، وتُدار بمنطق “من معنا ومن علينا”. أما الحقّ، فمزعج؛ عادل أكثر مما ينبغي، أعمى عن الأسماء، لا يساوم ولا يبتسم. لذلك يُستبدَل بالمكرُمة: أسهل في التحكم، ألين في التبرير، وأقل كلفة على الضمير.
لكن التاريخ لا يرحم هذا الخلط. المجتمعات التي رضيت بتحويل حقوقها إلى مكرُمات، دفعت الثمن مضاعفًا: فقدت حقوقها، ثم فقدت قدرتها على المطالبة بها. وحين تُسلب اللغة من معناها، يصبح الاستبداد أمرًا طبيعيًا، بل “كريمًا”.
الحقّ لا يحتاج إلى خطابات ولا إلى صور تذكارية. يحتاج فقط إلى اعترافٍ واضح: أنه حق. وكل ما عداه تزويرٌ مُتقن، مهما كان صوته عاليًا، ومهما تزيّن بثوب الكرم. لأن الكرم الحقيقي لا يكون في أداء الواجب، بل في عدم تحويله إلى منّة.